محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
610
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
باللّه حتّى غيّره عمرو بن لحي الخزاعي وهو أوّل من غيّر دين إبراهيم وسيّب السوائب وحمى الحوامي ، وغلب على أهل مكّة وهم ولد إسماعيل . قال : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا إشارة إليه . قال الكلبي ومقاتل ومحمّد بن إسحاق : من كفر فأرزقه قليلا ؛ ويروى عن ابن عامر فأمتّعه من الإمتاع ، والمعنى فسأرزقه إلى منتهى أجله ؛ وروى عمرو عن الحسن فأمتّعه بالأمن والإمتاع إلى خروج محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وقال الربيع : قال أبو العالية : كان ابن عبّاس يقول : هذا أيضا من قول إبراهيم - عليه السلام - وقرأ فأمتعه من الإمتاع على سبيل الدعاء ، ثمّ اضطرّه بنصب الراء بغير قطع الألف ، وقراءة العامّة أظهر ؛ إذ تتوسّطه كلمة « قال » ؛ ومعنى أضطرّه : أدفعه وأسوقه سحبا على الوجه ، وألجئه إليها بغير اختيار وبئس المصير المرجع والمآب . القصّة واختلف المفسّرون في تحريم مكّة أنّها كانت محرّمة حين بنيت أوّلا أو صارت محرّمة بتحريم إبراهيم ؛ فقال قائلون : إنّها كانت محرّمة ؛ لأنّ إبراهيم قال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ وإنّها لم تزل كانت آمنة من الزلازل والخسف وعقوبة اللّه الجبابرة بالصواعق والرجفات ، ودلّ عليه أيضا خبر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - في رواية أبي شريح والخزاعي أنّه قال في خطبته : « أيّها الناس ! إنّ اللّه قد حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض ؛ فهي حرام إلى يوم القيامة لا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد شجراتها ، وإنّها لا تحلّ لأحد بعدي ، ولم تحلّ لي إلّا هذه الساعة غضبا على أهلها . ألا فقد رجعت إلى حالها بالأمس . ألا فليبلغ الشاهد ( 246 آ ) الغائب . » وروى مجاهد عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال يوم فتح مكّة : « هذه حرم حرّمها اللّه يوم خلق السماوات والأرض » الحديث . وقال قائلون : إنّها صارت محرّمة بتحريم إبراهيم - عليه السلام - وكانت حلالا قبله كسائر البلاد ، واستدلّوا بما روى جابر بن عبد اللّه وأبو هريرة أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « إنّ إبراهيم كان عبد اللّه وخليله وأنا عبد اللّه ورسوله ، وإنّ إبراهيم حرّم مكّة وأنا حرّمت