محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
738
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فهذه خمسة وجب الإيمان بها والتصديق لها وهي المذكورة في دعوة جبريل - عليه السلام - إذ قال : ما الإيمان ؟ قال : أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، زاد في رواية : والقدر خيره وشرّه 49 . وقد عرفت ماهيتها في النظم والخمسة الباقية ؛ فابتداؤها إيتاء المال على حبّه والرغبة إليه ستّة أصناف من المحاويج والفقراء ، وهو غير الزكاة المفروضة ؛ فإنّه تعالى ذكرها قبل الصلاة ، وذكر الزكاة بعد الصلاة ؛ وكما كانت المواساة بجميع المال أو نصفه أو ثلثه أو ربعه أو خمسه واجبة أو مندوبة في نأنأة الإسلام ، وكان فيها امتحان النفوس برفض الحرص على الدنيا كانت تلك المواساة جارية في كلّ زمان على كلّ مؤمن صدق إيمانه امتحانا لنفسه الهلوع الجزوع ؛ فإنّها بفطرتها خلقت هلوعا ، إذا مسّه الشر جزوعا ، وإذا مسّه الخير منوعا ، فزكّى نفسه عن الحرص بإيتاء المال على حبّه وحرصه كسرا للقوّة الشهوية ، وزكت نفسه بإقام الصلاة على الكسل عليها والسهو عنها كسرا للقوّة العصبية ، لما فيها من الخشوع والخضوع والاستكانة وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . والتزكية تطهير وقد يكون التطهير قبل الصلاة حتّى تصحّ الصلاة على الطهارة ، وتلك ( 302 ب ) طهارة قبل الشهادة ، وقد يكون التطهير بعد الصلاة حتّى تصحّ الطهارة على الصلاة ، وتلك طهارة بعد الشهادة ، وقد عرفت أنّ مبنى الدين على الطهارة والشهادة ؛ وكما أنّ الشهادة شهادتان إحداهما بالقول والنيّة ، والثانية بالفعل والعمل ، كذلك الطهارة طهارتان إحداهما غير مقدّرة في الشريعة ، بل هي مقدّرة على سخاء النفس وجود الطبع ، والثانية على النصب المعيّنة في الشريعة . ثمّ من المؤمنين من وفى بإيتاء المال ذوي المحاويج كلّهم من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وذلك هو الموفي بالعهد حقّا ، ومن المؤمنين من وفى بالبعض دون البعض ، ومن الناس من لا يفي بشيء من ذلك أصلا ، بل منع الماعون ؛ فلا صلاة لهم ولا زكاة ولا طهارة لهم ولا شهادة ؛ فذلك هو الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين . فقوم يطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا ، وهم قد اقتحموا العقبة ، وقوم