محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

731

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال الذين لا يكتمون ما أنزل اللّه : إنّ الكتمان على وجهين أحدهما كتمان آية منزلّة من آيات الكتاب سواء كان الكتاب هو القرآن أو كتاب آخر من التوراة والزبور والإنجيل ، وما من كتاب إلّا وقد جرى فيه من المنافقين كتمان آية أو آيات على أخذ مال أو رعاية رئاسة وحبّ جاه وشرف ؛ فهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة . والوجه الثاني كتمان حكم آية من الكتاب وتأويلها على غير ما دلّت عليه بفحواها بحكم رأي ومذهب ذهبوا إليه ومرنوا عليه ، وإنّما الواجب عليهم ترك الرأي في مقابلة النصّ واختيار الحقّ على الباطل وتفويض الأمر فيه إلى أولي العلم الذين هم أولو الأمر كما قال تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ؛ ومن جملة الكتمان إخفاء النصوص الدالّة على أولي العلم الذين حقّ لهم درجة الاستنباط ، وأنّهم على سواء الصراط ؛ فكتمان أحوال أشخاص هم قرائن الكتاب كتمان ما أنزل اللّه من الكتاب ، ومن كتم مبيّن الكتاب ، فقد كتم كلّ الكتاب ؛ فيبقى مفسّر الكتاب مفسّرا برأيه ؛ فإن أصاب فقد أخطأ وإن أخطأ فمقعده النار ؛ ومثل هذا المفسّر إن كان شارحا فهو كاتم وإن كان فاتحا فهو خاتم . وسرّ آخر : الثمن القليل قد يكون مالا وقد يكون شرفا وجاها ، وحبّ المال والشرف يحملان على متابعة الهوى وطول الأمل ويثيران [ في ] النفس الحرص والكبر ، وحبّ المال دون حبّ الشرف ، وهما يكتمان ما أنزل اللّه في الكتاب ؛ فإن أخذوا المال فما يأكلون في بطونهم إلّا النار ، لأنّ المأكول كما وصل إلى البطن وانبثّ في أحوال البدن صار جزءا من أجزاء الإنسان ؛ فأفسد النفس إفساد النار الحطب ، وكذلك حبّ الجاه أورث ( 299 ب ) في النفس كبرا وأورث الكبر كتمان الحقّ ؛ فأفسد النفس إفساد النار القطن ؛ وكما أنّ المأكول من المذبوح على غير اسم اللّه ، خلا عن ذكر اللّه [ و ] ذكر عليه اسم الأصنام انقلب لحمه من الطيّب إلى الخبيث ومن الحلال إلى الحرام ؛ فصار ذلك الجزء نارا كذلك المعهود عليه عهد الإسلام على غير اسم المصطفين من عباد اللّه خلا عن ذكر اللّه وذكر عليه اسم المضلّين من الضالّين انقلب نفسه من الطيّب إلى الخبيث ومن الإسلام إلى النفاق ؛ فصارت