محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

726

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

غير جهة الأمر قولا خالية عن ذكر اللّه ، فلم تصلح أن تصير جزءا للإنسان ، فإنّها تصدّه عن ذكر اللّه ولذلك عدّت من الخبيثات : وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً والخبث كلّه نكاد وعناد ، ووراءه في الأمريات الكافر والذي يموت على كفره ، أو المنافق الذي عليه غير اسم اللّه ؛ فهما لا يصلحان جزأين من أجزاء أهل الدين لخبث الكفر والنفاق ؛ وأمّا الدم ولحم الخنزير فهما في إثارة القوّة الغضبية والقوّة الشهوية على غاية الإفراط والخروج عن الاعتدال ، وفي معناهما كلّ بهيمة سوى الأنعام وكلّ سبع ضارّ ؛ فإنّ البهيميّة والسبعيّة إذ خرجتا عن حدّ الاعتدال الإنساني ما أطاعتا النفس العاقلة الإنسانية ؛ فلم تصلحا أن تكونا جزأين متّصلين بالإنسان ، ولا نفسين حاملتين له على الغضب والكبر والطمع وسائر الأخلاق الذميمة والأفعال الخبيثة القبيحة ؛ فعدّهما من الخبائث ، ووراءهما في الأمريات : المتكبّر المختال الفخور الجبّار العنيد وهو دم مشخّص ، أو الحريص الهلوع المنوّع الجزوع الحلّاف المهين ، أن كان ذا مال وبنين ، وهو خنزير مشخّص . تتمّة هذا السر : بلطيفة أخرى ، وهي أنّ الذبح في التنزيل قطع الحلقوم والمريء ، وأحدهما مجرى الهواء للتنفّس والثاني مجرى الطعام للغذاء ، وبهما قوام بدن الحيوان ، وأنّ الذبح في التأويل أخذ الميثاق والعهد على المؤمن ؛ فيذبح على اسم اللّه بذكر لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه ، وذلك قطع حلقوم الشرك بالتوحيد وقطع مريء الكفر بالنبوّة ، وأحدهما مجرى الهوى والثاني مجرى طول الأمل ، وبهما قوام عمل الشيطان ؛ وكما أنّ المؤمن يذبح على اسم اللّه عهد عليه أو لم يعهد كذلك المؤمن يذبح على اسم اللّه سمّى أو لم يسمّ ؛ ولمّا كان اليهود والنصارى أهل الكتاب حلّت ذبائحهم ؛ فإنّهم يذبحّون على اسم اللّه وحلّت مناكحتهم ؛ فإنّهم يعقدون النكاح على كلمة اللّه ( 297 ب ) بخلاف المجوس والمشركين ؛ إذ لا كتاب للمجوس ؛ فلا كلمة لهم ؛ ولا عهد للمشركين ؛ فلا إيمان لهم ؛ وكما أنّ الحرام من الفروج يصير حلالا بكلمة اللّه « استحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه » 44 كذلك الحرام من الذبائح يصير حلالا باسم اللّه ؛ فكلوا ممّا ذكر اسم اللّه عليه . ولمّا كان الدم مثار القوّة الغضبية وهي أخصّ بالشيطنة . ألا ترى نفسك إذا غضبت كيف انتفخت أوداجك ، واحمرّ وجهك ، وتورّدت وجنتاك ، وقلت ما ليس بحقّ ، وفعلت ما ليس