محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
709
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
المستأنف هو حكم الشريعة وقد يرى في المفروغ بالأثر ، وصاحب الشريعة قد يرى أحكام القيامة ويخبر عنها ولكن لا يحكم بها ، وصاحب القيامة يرى أحكام الشريعة ويخبر عنها ولكن لا يحكم بها ؛ فرأى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - تبرّؤ بعض الكافرين عن بعض وتقطّع الأسباب بهم من كلّ وجه ولم يحكم بها في شريعته ، وربّما يحكم ببعض أحكام القيامة كالكافر والمؤمن لا يتوارثان وإن كان أحدهما والدا والثاني مولودا ، وهو من باب تقطّع الأسباب وهو حكم القيامة ، وكذلك لا يقتل مؤمن بكافر وإن كان ذمّيا ، ولا تقطع يده بسرقة مال الكافر وإن كان معصوما ؛ وتجري هذه الأحكام في حقّ المنافق وإن كان نفاقه معلوما ، وذلك حكم الشريعة ؛ فالمؤمن يتبرّأ من الكافر كلّ التبرّي في الدنيا والآخرة : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وكما تبرّأ هو كذلك تبيّن بالبرهان والمشاهدة والعيان أنّ الكافرين يتبرّأون بعضهم من بعض في الدنيا والآخرة ؛ فليس من مذهبهم أن يوافق بعضهم بعضا أو يتابعه ؛ فإنّ العقول عندهم متساوية فلا ترجيح لأحد على أحد بالاستتباع ، ولا نقصان لأحد عن أحد فيلزمه الاتباع ، منقطعو الأسباب في الدنيا والآخرة كالباطل ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، كما ليس له وجود في الأوّل والآخر ، وذلك بعين البالغين . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 168 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) النظم لمّا ذكر في الآيات السالفة التوحيد ونفي الأنداد صرف الخطاب بعده إلى ذكر أحكام الشريعة ؛ فابتدأ بأكل الحلال ، والامتناع من أكل الحرام ، والنهي عن تحليل الحرام ، وتحريم الحلال ، باتّباع خطوات الشيطان . النزول قال الكلبي والضحّاك ومقاتل : نزلت الآية في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني