محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

697

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

النزاع كلّ النزاع في أحد أمرين : أحدهما في التوحيد كما قال تعالى : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ؛ ولهذا كانت دعوة الأنبياء - عليهم السلام - إلى التوحيد بقول : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، لا إلى إثبات الصانع بالدليل ؛ فإنّ ذلك مفروغ عنه بالفطرة الأولى ؛ فلا دليل أقوى من الفطرة ، ولا فكرة أشدّ من الفطرة . وربّما يكون التوحيد من حيث الخلق كالمفروغ عنه أيضا ؛ فلا شريك له في الخلق ، ويبقى النزاع في التوحيد من حيث الأمر ؛ فإنّ من ادّعى الإلهية لنفسه كنمرود بن كنعان وفرعون مصر وغيرهما لم يدّع أحد منهم أنّه خالق السماوات والأرض أو خالق الناس ، وقد سبق وجوده جماعة من الناس ، لكن لما ادّعى أنّه الحاكم على خلق اللّه ، يريه من عقله ونظره الآمر لهم بما يهواه رأيه ويراه من هواه ، كان مدّعيا : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أي حاكم وآمر غيري . والنزاع الثاني في النبوّة كما قال تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ، فمن لم يقل بالأمر الأعلى لم يقل بالنبوّة أصلا ، ومن قال بالأمر فقد أنكر متوسّط الأمر ، بل نصب شخصا وجعله متوسّطا ، إمّا شخصا معمولا بيده أو صنما منصوبا برأيه ، وقالوا : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ أي وسائلنا إليه ووسائطنا لديه ؛ فورد الأنبياء - عليهم السلام - بإبطال مذهب هذه الوسائل والوسائط ؛ لأنّها عبدت من دون اللّه وشفّعت ( 284 ب ) لا بإذن اللّه ، وقال اللّه تعالى في كتابه على لسان نبيّه : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الذي بعثني بالهدى ودين الحقّ الذي أدعو إليه ، لا الذي تدعون بعقولكم الزائغة وآرائكم الفائلة ، وهو الرحمن الرحيم رحمة عامّة شملت جميع الخلائق ، ورحمة خاصّة خصّت بالمؤمنين ؛ فلم يعارضه في هذه الدعوى معارض ؛ إذ كان مذهب سائر الناس سواه : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ، ومن كان منكرا بعث البشر رسولا كيف يكون منازعا لدعواه ؛ وقد عرفت الفرق بين المنكر والمنازع .