محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
14
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً وتركهم على ما هم عليه كما ترك هارون - عليه السلام - قوم أخيه موسى بعد إلقاء الحجّة عليهم ، واعتذر عن أخيه بقوله : إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ « 1 » فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ « 2 » وَلَمْ تَرْقُبْ « 3 » قَوْلِي ، وبقوله : قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . أفترى يا أخي لو أنصفتني أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - يوحى إليه مثل هذا القرآن ؛ فيتركه متفرّقا في الأكناف وفي الأوراق ولحاء الشجر وصدور الرجال ؛ فلا يشير ( 5 آ ) إلى من يثق به إشارة ، وهو يعلم أنّ مثل ذلك المتفرّق لو لم يجمع ، ذهب هملا وتفرّق الناس به بعد أن أنزل سببا لجمع الناس به واتّباع ما فيه ؛ وقد قال اللّه تعالى : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أو أشار وأمر وعرّف كيفية الترتيب من التقديم والتأخير ؟ ! فمن « 4 » الذي تولّى ذلك على منهاج النصّ والإشارة ؟ ومن المعلوم أنّ الذين تولّوا جمعه كيف خاضوا فيه ، ولم يراجعوا أهل البيت - عليهم السلام - في حرف بعد اتّفاقهم على أنّ القرآن مخصوص بهم وأنّهم أحد الثقلين في قول النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي - وفي رواية : أهل بيتي - ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . » 68 بلى واللّه ، إنّ القرآن محفوظ لقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ، وإنّما حفظه بحفظ أهل البيت ؛ فإنّهما لا يفترقان قطّ ؛ فلا وصل القول ينقطع لقوله تعالى : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ولا جمع « 5 » الثقلين يفترق لقوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فنسخته إن كانت عند قوم مهجورة ، فهي - بحمد اللّه - عند قوم محفوظة مستورة ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ . ولم ينقل عنه - عليه السلام - إنكار على ما جمعه « 6 » الصحابة - رضوان اللّه عليهم - لا كما قال عثمان : « أرى فيه لحنا وستقيمه العرب » ؛ ولا كما قال ابن عبّاس : « إنّ الكاتب كتبه وهو ناعس » ، بل كان يقرأ من المصحف ويكتب بخطّه من الإمام ؛ وكذلك الأئمّة من ولده - عليهم
--> ( 1 ) . س : يقول . ( 2 ) . س : بنى اسرايل . ( 3 ) . س : لم يرقب . ( 4 ) . س : فمتى . ( 5 ) . س : + و . ( 6 ) . س : جمعة .