محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
541
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
بالحقّ بشيرا ونذيرا ؛ فيكون هو على بيّنة من ربّه ، وإنّما المعتبر تبيّنة عند نفسه لا تبيّنه عند غيره ، وهكذا حال جميع الأنبياء - عليهم السلام - كما قال نوح - عليه السلام - يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ؛ فالمكلّف الأوّل بالدعوة إلى اللّه تعالى هو النبيّ والمكلّف الثاني هو المستجيب ؛ فإن كان هو في ريب ممّا أنزل على النبيّ فالنبيّ ليس في ريب من ذلك ، ووجب عليه الإمضاء لأمره وتوجيه التكليف على خلقه ؛ أيقن من أيقن وارتاب من ارتاب . وسرّ آخر : أنّ الإرسال بالحقّ قد حمل على وجوه من المعنى ، ومعنى الحقّ أعمّ من جميع ذلك ؛ فإنّه في وضع اللغة عبارة عن كلّ أمر واجب لازم ، وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّ لكلّ حقّ حقيقة » . 590 ثمّ الحقّ ما يستحقّ الوجود ويكون الوجود به أولى ، والباطل ما يستحقّ العدم ويكون العدم به أولى ، وأحقّ الأشياء بالوجود ما هو واجب لذاته ، فلذلك صار الحقّ اسما من أسماء اللّه تعالى ، ثمّ أحقّ الأشياء بالوجود بعده أمره الأوّل وكلمته الأعلى التي بها خلق السماوات والأرض كما قال : ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ؛ وإنّما خلق السماوات والأرض بالحقّ كذلك أرسل الرسل مبشّرين ومنذرين بالحقّ ، والحقّ الذي به خلق كلمته العليا وأمره الأعلى ، والحقّ الذي به أمر كلمة لا إله إلّا اللّه ، وهو الحقّ الذي لا حقّ فوقه ؛ فتبيّن أنّ معنى : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ أي بكلمة لا إله إلّا اللّه ، والقرآن كلّه شرح تلك الكلمة ؛ فصحّ تفسير الحقّ بالقرآن وما فيه [ من ] أمر ونهي ووعد ووعيد ، وصحّ تفسير الحقّ بالوعد والوعيد ؛ والحقّ قد يطلق على ما في الأفكار من صحّة الاعتقاد ، ويطلق على ما في اللسان من صدق القول ، ويطلق على ما في الأركان من صواب العمل ؛ فإذا عاد معنى : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ ، إلى جميع ما في عالم الخلق وعالم الأمر وجميع الحركات الجبرية والحركات الاختيارية وجميع العلوم والمعارف والأخلاق والمذاهب ، بشيرا لمن آمن وصدّق وعمل في إيمانه خيرا ، ونذيرا لمن كفر وكذّب وعمل في كفره شرّا ؛ وحكم الأسرار في العاقبة مرفوع عنك ( 236 ب ) سؤالا وجوابا وجزاء وعقابا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ؛ فلا تسأل عنهم ، فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ؛ وذلك حكم صاحب القيامة الذي يقضي بعلمه لا