محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
539
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
التفسير قال ابن عبّاس والكلبي : بالحقّ أي بالقرآن ، كما قال تعالى : حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ أي القرآن ؛ وقيل : الحقّ الصدق ، وهو رواية عطاء عنه أيضا ، قال تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ أي أصدق . وقال مقاتل : لم يرسلك عبثا لغير حكمة ، كما قال تعالى : ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . وقال محمّد بن جرير وابن كيسان : الحقّ هاهنا الإسلام ، كما قال : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ والباء بمعنى مع ، نظيره وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ، وكان المعنى بدين الحقّ ؛ وقيل : بالوعد الحقّ والوعيد الحقّ ؛ فيكون مبشّرا بالوعد الحقّ ومنذرا بالوعيد الحقّ . والحقّ مصدر « 1 » حقّ الشيء يحقّ حقّا إذا وجب ولزم ؛ وهو الصواب من القول والعمل والاعتقاد ؛ ويستعمل بمعنى الفاعل ؛ والحقّ من أسماء اللّه تعالى ، ويرد بمعنى العدل ويرد بمعنى العقاب : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي بالعذاب ؛ وقوله : بَشِيراً أي للمطيعين بالجنّة و نَذِيراً للعاصين بالنار ، والبشير فعيل من بشّر يبشّر بشارة ، أي بشّر وهو بمعنى المبشّر ؛ والنذير بمعنى المنذر . الإنذار : الإعلام إلّا أنّه يستعمل فيما يعلم بما يخاف منه ، كما يستعمل البشير فيما يعلم بما يفرح به . قوله : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ « 2 » قرأ أبو عمرو وأبو جعفر وعاصم وحمزة بضمّ التاء وإعراب اللام . أي لست مسؤولا عمّن كفر وكان من أصحاب النار ، إنّما أنت مبلّغ ولست مسؤولا ولا معاقبا بما هم عليه من الكفر ؛ وقيل : معناه ولا تسأل عن ذنوبهم فإنّ اللّه قد أحصاها عليهم . فعلى هذه القراءة وجهان من المعنى : أحدهما أنّك لا تسأل أي لا تؤاخذ بأعمالهم ؛ والثاني أنّك لا تستعلم عن أحوالهم ؛ فعلم اللّه كاف . وقال الضحّاك : إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - قام على قتلى الكفّار يوم بدر وقد رمي بهم في القليب ، فقال : ألم أنذركم ؟ ! ألم أحذركم ؟ ! ( 235 ب ) وهو يتوجّع لهم ويقول : « يا ربّ ! لقد أعذرت إليهم » فأنزل اللّه تعالى : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ . والجحيم هي النار المتلظّية من جحم يجحم جحوما فهو جاحم إذا عظم .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : القراءة والمعنى .