محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

531

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

[ الأسرار ] وقال القانتون للّه حقّا : اتّخاذ الولد على وجهين : أحدهما الاتّخاذ بمعنى الاصطناع قولا ؛ والثاني الاتّخاذ بمعنى الولادة فعلا ؛ وكلا الوجهين منفيّان عن جناب القدس ، لما فيهما من إيهام التشبيه ، أو تحقيق التشبيه وإثبات المناسبة والمشابهة ؛ ولا نسبة إلى اللّه تعالى لأحد من خلقه عموما وخصوصا إلّا نسبة العبودية ؛ ولهذا قال تعالى : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي الكلّ له ملكا وملكا ، والكلّ له قانتون عبودية وعجزا ؛ وكلّ من كان في العبودية وإظهار العجز والحاجة أشدّ اعترافا وأقنت للّه خضوعا وطاعة كانت درجته في القرب منه أعلى . فعبده ورسوله أعلى درجة من ابنه وولده ؛ ولربّ ولد هو عمل غير صالح فليس من أهله ، بل النسبة الشريفة في العمل الصالح والعبودية الخالصة . فلن يستنكف المسيح أن يكون عبدا للّه لا ابنا ، ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عبيدا للّه لا بنات ، سبحانه أن يكون له ولد . وسرّ آخر : أنّ من قال بالإنجاب الذاتي فقد قال بالتوليد من الذات ، ولهذا لزمه وحدة الصادر عنه إذ كان إنجابه من وجه واحد ، ولزمه قدم الصادر عنه إذ كان وجوده مفيضا للجود بالذات ، ولزمه تجرّد الصادر عن المادّة إذ كان الموجب مجرّدا عن المادّة ، إلى غير ذلك من المناسبات العقلية ؛ وكلّ ذلك مذهب الفلاسفة . فهم الذين قالوا : اتّخذ اللّه ولدا والنصارى نسجوا على منوالهم ؛ وأمّا الأنبياء - عليهم السلام - فقالوا : سبحانه أن يكون له ولد عنه صدر ، وإليه انتسب ، وبه تشبّه ؛ وأنّه ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا واخترعهم على مشيئته اختراعا . فالعقل الأوّل أوّل مبدع بالإبداع الأوّل والأمر الأوّل ؛ ومنه انبجست النفس انبجاسا وتولّدا ؛ فحصل التوالد بينهما ، وحصل من التوالد المواليد والنتائج ؛ فالولادة مقصورة على كلّ مزدوجين : فاعل ومنفعل ، ومؤدّ وقابل . أنّى تكون له ولد ولم يكن له صاحبة ؟ ! وسرّ آخر : أنّ الهويّة المطلقة ( 232 آ ) أحقّ اختصاصا باللّه - عزّ وجلّ - وأخصّ تحقّقا له ، وأنّ الماهيّة المطلقة أشدّ اختصاصا بأوّل موجود أبدعه على اختلاف الأقاويل فيه ، قلما كان أو عقلا ، أو روحا كان أو عنصرا ، مركّبا كان أو مفردا ، فإنّ قولنا : « هو » أسبق من قولنا : « ما هو ، وهل هو ، وكم هو ، وكيف هو ، وأين هو ، ومتى هو ؟ » ولمّا تحقّق الازدواج بين