محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
528
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
التفسير وقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا أي وجوهكم ؛ فحذف المفعول لدلالة الفعل عليه ، ومعناه تولّوا وجوهكم فتجعلونها قبلة ، فثمّ وجه اللّه ، أي هناك وجه اللّه . قال مقاتل والضحّاك وابن عبّاس : فثمّ اللّه يعلم ويرى ، وعلى هذا للوجه صلة في الكلام . وقال مجاهد وقتادة والحسن ومقاتل بن حيّان والكلبي : معناه فثمّ قبلة اللّه أضافها إلى نفسه تخصيصا لها ؛ والوجه والجهة هي القبلة ، أي فثمّ الجهة التي تعبّدكم اللّه بالتوجّه إليها . وإنّما صارت القبلة قبلة بأمره ؛ فلا تنكروا تحويل القبلة ؛ فإنّه المالك المدبّر . وقيل : وجه الأمر قصده . فمن قال : الآية نزلت في قوم أخطأوا القبلة ، فالمعنى قد وقع قصدكم موقعه ؛ ومن قال : هي في النوافل في السفر ، فمعناه قد صادفتم مطلوبكم . وقيل : إنّ الوجه قد يذكر بمعنى العمل أي فثمّ العمل للّه ؛ وقيل : فثمّ يجدون رضاه . وقوله : إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » قال أبو عبيدة : الواسع الغنيّ في كلام العرب . لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ أي ذو غنى من غناه ، وعلى هذا معناه واسع الإفضال والرحمة والعطاء . قال الفرّاء : هو الذي يسع عطاؤه كلّ شيء . قال اللّه تعالى ( 230 ب ) : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وقال ابن جرير : هو الذي يسع خلقه بالإفضال والكفاية والتدبير . وقال أهل المعاني « 2 » : هو الذي يسع كلّ شيء علما ؛ وقيل : هو واسع الشريعة بالترخيص لهم التوجّه إلى أيّ جهة أدّى إليها اجتهادهم ، عليم بنيّاتهم وعواقب أمورهم . الأسرار قال المتوجّهون إلى وجه اللّه القائلون بأمر اللّه : إنّ قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ صدر الآية وقوله : إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ عجز الآية ، وهما يدلّان على معنى قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ويخبران أنّ الجهة والمسافة منبئتان عن جناب عزّته ، بل قوله : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي ملكا وملكا ، وهما بالنسبة إلى جلاله واحد ؛ فالمغرب مشرق
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .