محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

519

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال : مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ، إنّ الإسلام قد يرد بحسب المبدأ وهو الذي يوسم به المؤمن والمنافق : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ؛ وقد يرد بحسب الكمال : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً في الخبر المروي المعروف بدعوة جبريل - عليه السلام - إذ قال : ما الإسلام وما الإيمان وما الإحسان ؟ وجواب المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - عن كلّ سؤال إشارة إلى أنّ الإسلام مبدأ والإيمان وسط والإحسان كمال . ثمّ قد يلتقي الطرفان - أعني المبدأ والكمال - على حدّ واحد ، كما قال تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ؛ فيصير المبدأ كمالا والكمال مبدأ والجسماني روحانيا والروحاني جسمانيا ، وذلك في عالم الثواب ؛ فيكون له أجره عند ربّه ( 226 ب ) ولا خوف عليه ولا حزن له . وسرّ آخر : أنّ الحسد والعناد حملا اليهود والنصارى على حفظ اليهودية والنصرانية ومنعاهم عن الإسلام والحنيفية ، وهما خصلتان مزدوجتان في نهاية الذمّ والمعاب ، والإسلام والإحسان حملا المسلمين على حفظ الإسلام والحنيفية ومنعاهم عن اليهودية والنصرانية ، وهما خصلتان مزدوجتان في نهاية المدح والكمال ، والإسلام في مقابلة العناد بالتضادّ ، والإحسان في مقابلة الحسد بالتضادّ . فقوله خبرا عن أهل الكتاب : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ؛ والحسد هو أن ترى نعمة اللّه على عبد ، فتنكر ذلك عليه وتريدها لنفسك ؛ والعناد هو أن يتبيّن لك الحقّ ، فتنكره بلسانك ؛ وإليه يشير قوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ والإسلام انقياد للحقّ وخصوصا إذا اقترن بالوجه للّه والتوجّه إليه ، كما قال : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ؛ فقوله : أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ تعبير عن غاية الانقياد والاستسلام ، وذلك برفع العناد والإنكار بعد تبيّن الحقّ ؛ والإحسان هو أن ترى نعمة اللّه على عبده ، فلا تنكرها عليه وتريدها له ؛ وإن كانت النعمة عليك ، فتفيضها على أخيك من غير منّ ولا أذى ؛ فجميع المحامد إذا في خصلتي الإسلام والإحسان ؛ وجميع المعايب في خصلتي الحسد والعناد ، قال اللّه تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .