محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
504
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ويقرأ نبيّ اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - الآية ما شاء اللّه ثمّ تنسى وترفع ؛ وروى عكرمة عن ابن عبّاس قال : كان ممّا ينزل على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - الوحي بالليل وينسى بالنهار ، فأنزل اللّه هذه الآية ؛ وقال السدّي : أمّا نسخها فقبضها ، وننسها فنتركها لا ننسخها ؛ وقال الفرّاء : أكثر القرّاء يجعلون ننسها من النسيان وهو على معنيين : أحدهما بمعنى الترك ، أي نتركها فلا ننسخها كما قال : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ وهو قول ابن عبّاس والكلبي والسدّي ؛ فعلى هذا نسي وأنسى بمعنى واحد ؛ وقال الأزهري : ننسها ، أي نأمر بتركها ، ولهذا قرأ سعد بن أبي وقّاص : أو ننسها ؛ والمعنى الثاني هو بمعنى الذهول عن الشيء . قال الحسن : هو ما أنسى اللّه تعالى رسوله ، وهو أن يذهب بقراءتها والعمل بها وذلك قوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، وهو قول ابن زيد ، قال : معناه يمحها ، فلا يبقى لها حكم ولا لفظ يتلى . وروي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : إنّ رجلا كانت معه سورة ، فقام من الليل يريد أن يفتتح السورة التي وعاها ، فلم يقدر منها على شيء إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، * فأتى باب النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - حين أصبح ليسأله عن ذلك ، ثمّ جاء آخر وآخر حتّى اجتمعوا ؛ فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم ؛ فأخبر بعضهم بعضا شأن تلك السورة ، ثمّ أذن لهم النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - فأخبروه خبرهم وسألوه عن السورة ؛ فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا ثمّ قال : نسخت البارحة من صدورهم ومن كلّ شيء كانت فيه . ومن قرأ ننسأها مفتوحة النون مهموزة من النسأ بمعنى التأخير . يقال : أنسأت الإبل عن الحوض إذا أخّرتها عنه ، ومعنى التأخير في الآية أن يؤخّر التنزيل ؛ فلا ينزل ولا يعلم ولا يعمل به ولا يتلى ؛ والمعنى يؤخّرها ( 220 آ ) إلى وقت ثان ؛ فيأتي بدلا منها في الوقت المتقدّم بما يقوم مقامها . وقال أبو عبيد : ننسأها ، نمضيها ، فلا ننسخها ؛ وقيل : نؤخّر إنزالها فلا تنزل البتّة ؛ وقال بعضهم : إنّ في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير ما ننسخ من آية نأت بخير منها أو مثلها ، أو ننسأها أو ننساها ، فلا نأت بشيء بعدها . وروي عن سعيد بن المسيّب وعطاء قالا : أمّا ما ننسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن ، فانتسخ من النسخة ؛ وأمّا ما ننسأها ، أي نؤخّرها ، فلا ينزل .