محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
493
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقال أهل المعاني : نفي العلم عنهم لا يقتضي عذرا لهم ؛ لأنّهم لو نظروا وتدبّروا لعلموا وأيقنوا . الأسرار قال أهل الحقّ والحقيقة : لمّا كان الحقّ والباطل يتشابهان من وجه وهو الكون الأوّل ويتباينان من وجه وهو الكون الثاني ، كذلك الآيات والمعجزات في جانب الحقّ والسحر والنيرنجات في جانب الباطل تتشابه من وجوه وتتباين من وجه ؛ وكما كانت الآيات على صدق النبوّات تنقسم إلى آيات فعلية وآيات قولية ، فالآيات الفعلية كقلب العصا حيّة وهي تتلقف ما يأفكون ، والآيات القولية كالقرآن وهو هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، كذلك السحر والتعزيمات تنقسم إلى فعلية كسحر سحرة فرعون ؛ إذ جاءوا بسحر عظيم ، وإلى سحر وتعزيمات قولية وهي التي تتلو الشياطين على ملك سليمان . فالفعليان يسحران أعين الناس ؛ والقوليان يسحران أسماع الناس ؛ ولا تنس التضادّ بين تلاوة وتلاوة وتعليم وتعليم وملك وشيطان وجسد وسليمان ، لكن إحدى التلاوتين قول ، والثانية تقوّل على ملك سليمان ، وأحد التعليمين ما يجمعون به بين المرء وزوجه عالمه ( 215 آ ) ومتعلّمه ، والثاني ما يفرّقون به بين المرء وزوجه . فالتشابه واقع من حيث الصورة ، والتباين حاصل من حيث المعنى . وسرّ آخر : أنّ أنواع البدع والضلالات والحجج عليها بفنون البيانات ومختلفات اللغات كلّها سحر وتعزيمات قولية ، سحروا بها أسماع الناس حتّى وضعوا أصابعهم في آذانهم وقالوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ، فدعوهم بها إلى الضلال والبدعة ومنعوهم عن الكتاب والسنّة ، ويفرّقون بها بين المرء وزوجه ، أعني العالم والمتعلّم ، وذلك يضرّهم ولا ينفعهم : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وسرّ آخر : أنّ الكلمات التي تتلوها الأنبياء - عليهم السلام - عزائم قدسية تطابق كلمات القدس ؛ وهي الكلمات التامّات التي بها قام العرش والكرسيّ ودامت السماوات والأرض وتحرّكت المتحرّكات وسكنت الساكنات ، وآثارها ظاهرة في نظام العالم ؛ وإنّ الكلمات