محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

491

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال ابن عبّاس والمفسّرون : كانت الزهرة ملكة في بلدها فاختصمت ذات يوم إليهما ، وأظهرت جمالها لهما ؛ فأخذت بقلوبهما ؛ فراوداها عن نفسها ؛ فأبت وانصرفت ، ثمّ عادت فراوداها . قالت : على شرط أن يعبدا صنما لها ويقتلا النفس بغير حقّ ويشربا الخمر ؛ فأبيا ذلك فانصرفت ثمّ عادت في ( 214 آ ) الكرّة الثالثة ومعها قدح من خمر ؛ فأخذا منها وشربا الخمر وواقعاها ؛ فرآهما إنسان على تلك الحالة ، فقتلاه . قال الربيع بن أنس : وسجدا للصنم ؛ فمسخ اللّه الزهرة كوكبا . وقال السدّي : ما أجابتهما حتّى علّماها الاسم الذي به يصعدان إلى السماء ؛ فلمّا علّماها ذلك ذكرت اسم ؛ اللّه وصعدت إلى السماء ؛ فمسخها اللّه كوكبا . قال علّيّ - رضي اللّه عنه - : كان النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - إذا رأى سهيلا يقول : « لعن اللّه سهيلا إنّه كان عشّارا باليمن 574 » وإذا رأى الزهرة يقول : « لعن اللّه الزهرة ، إنّها فتنت ملكين » 575 . وكان ابن عمر إذا رأى الزهرة يقول : لا مرحبا بها ولا أهلا . وأنكر سائر المفسّرين هذا القول وقالوا : إنّ الزهرة من الكواكب السبعة السيّارة ، وقد أقسم اللّه تعالى بها فقال : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وإنّ التي فتنت الملكين هي امرأة سمّيت الزهرة ؛ لجمالها أو كان اسمها الزهرة ؛ وإن صحّ الخبر فاللعن يرجع إليها لا إلى الكواكب ؛ وإنّ الفاجرة كيف تصعد إلى السماء وكيف تمسخ إلى الكوكب النوراني وكيف يؤثّر اسم اللّه تعالى الأعظم حتّى تصعد به إلى السماء ؟ ! وقد روى قيس بن عبّاد عن ابن عبّاس قال : كانت امرأة فضّلت على الكواكب النساء بالحسن كما فضّلت الزهرة على الكواكب بالنور ؛ وكذلك قال الربيع والحسن . وقال محمّد بن جرير : قال ابن عبّاس وابن مسعود : لمّا عصى بنو آدم دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال والسماء : ربّنا ألا تهلكهم . فأوحى اللّه تعالى إليهم أما إنّي لو ركّبت الشهوة فيكم وسلّطت الشيطان عليكم وأهبطتكم الأرض لفعلتم مثل ذلك . فاختاروا ملكين من أعبدهم للّه هما هاروت وماروت وأهبط معهما الزهرة على صورة امرأة جميلة من فارس ؛ ففسقا بها كما ذكرنا ؛ وكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا من الناس ؛ فصاروا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض .