محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
مقدمة 54
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
المفتاح الثالث : المفروغ والمستأنف يشرح الشهرستاني في الفصل العاشر من مفاتيح الفرقان بعض مفاتيح الأسرار ، ومنها المفروغ والمستأنف . لا نريد هنا أن نشرح هذا المصطلح فقد أوضحه الشهرستاني في الفصل المذكور كما أوضحه في مجلسه المنعقد بخوارزم باللغة الفارسية « 1 » ، بل نكتفي بالقول : إنّ الشهرستاني يرى أنّ في الكون عالمين وحكمين : عالما كاملا منتهيا هو المفروغ ، وعالما ناقصا متّجها نحو الكمال هو عالم المستأنف ؛ وأولئك الذين خالوا أنّ العالم كلّه مفروغ وقعوا في الجبر ، والذين ظنّوا أنّ العالم بأجمعه مستأنف انحرفوا إلى القدرية والتفويض ؛ وليس الأمر هذا ولا ذاك وإنّما هو أمر بين أمرين . بعض الآيات القرآنية والمفاهيم الكونية التي توحي معنى الجبر يفسّرها الشهرستاني على أنّها من مقولات عالم المفروغ ، والتي تفيد معنى التفويض يفسّرها على أنّها من عالم المستأنف . والشهرستاني بهذا المفتاح يحلّ مشكلة كبرى في الفكر الإسلامي ترتبط بالجبر والتفويض ، وهي التي انقسم فيها الأشاعرة والمعتزلة ؛ وصاحبنا يردّ على المعتزلة في كتابه نهاية الإقدام « 2 » على أساس المدرسة الأشعرية غير أنّه هنا يردّ على الأشاعرة والمعتزلة استنادا إلى نظرية المفروغ والمستأنف . يقول على سبيل المثال في بيان نسبة الهداية والإضلال إلى اللّه - سبحانه وتعالى - : « قال المهتدون الهادون إلى صراط اللّه : إنّ من لم يبصر الحكمين ولم ير حكم الكونين ( المقصود كون المفروغ وكون المستأنف ) ضلّ في كلّ مسألة حتّى في الإضلال والهداية المضافين إلى اللّه تعالى وإلى القرآن وإلى ضرب الأمثال في الكتاب وإلى الرسل وإلى العقول ؛ وكذلك العموم والخصوص في الهداية والإضلال ؛ وكذلك ما هو واقع في القدر بالمقصود والذات ، وما هو واقع بالتبع والعرض ، وما هو معلّل بعلّة ، وما هو غير معلّل . ثمّ الحاكم بهذه الأحكام حاكم الشريعة حتّى يطلب التسليم فقط من غير طلب العلّة في كلّ شيء أو حاكم القيامة حتّى يطلب البصيرة ويطلب العلّة في كلّ شيء ؛ وهذه أمور لا يهتدي إلى أبوابها إلّا الهادون
--> ( 1 ) . راجع ترجمة المجلس في الملحق . ( 2 ) . انظر : نهاية الإقدام 68 - 89 .