محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

465

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

رفع الجبل ، وعصينا أمرك لما فيها من التكاليف الشاقّة ؛ وكان العجل أرفق بنا وأهون علينا ممّا جئتنا به من الشدّة ؛ لأنّ العجل إن عصيناه لم يعذّبنا ، وأنّ الرحمن عذّبنا إن عصيناه ؛ ولمّا كان المعنى في قوله : مِيثاقَكُمْ ميثاق أسلافكم صلح أن يرد الخبر إلى المغايبة ، فيقال : قالُوا سَمِعْنا وقوله : قالُوا سَمِعْنا جواب لقوله : وَإِذْ أَخَذْنا ، وكأنّه قيل : وحين أخذ ( 202 ب ) ما عهدكم بكذا فعلتم كذا . وقوله : « 1 » وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ « 2 » يعني وأشرب بنو إسرائيل في قلوبهم حبّ العجل حتّى خلص ذلك إلى قلوبهم ، أي خالطها ؛ والإشراب « 3 » خلط لون بلون ، يقال : أبيض مشرب حمرة ، إذا خالطت لونه حمرة أو كان تعلوه حمرة ؛ ومعنى أشربوا خالطهم ذلك ، وغلب عليهم ذلك ، وخامرهم حبّ العجل . وقال أبو عبيدة والزجّاج : معناه سقوا حبّ العجل ؛ وأصل الإشراب السقي ، واستعمل في اللون المختلط بغيره تشبيها بالسقي . ثمّ بيّن أنّ محل ذلك قلوبهم ، وأنّ خلط الحبّ فيها ؛ فأضاف الإشراب إلى الجملة أوّلا ، ثمّ خصّ القلوب ، كما تقول : ضربوا على رؤوسهم ؛ وإنّما ذكر بلفظ الإشراب تعبيرا عن رسوخ الحبّ في قلوبهم ، وحذف المضاف كما قال : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ . قال القفّال : خامر قلوبهم حبّ العجل بإضرابهم عن النظر المفضي إلى العلم والفهم [ بسبب ] الكفر ورسوخه في قلوبهم ، واعتقادهم التشبيه . وقال الزجّاج : معناه سقوا حبّ العجل بكفرهم مجازاة على كفرهم . قال الحسن : يعني بذلك أوائلهم وقد كانت بقيت منهم بقيّة لم يتوبوا عن عبادة العجل ، وهم الذين قال اللّه : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ . وروي عن السدّي وابن جريج : « 4 » أنّهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل ، وذلك أنّ موسى - عليه السلام - أخذ العجل فذبحه ثمّ حرقه بالمبرد ثمّ ذراه في اليمّ فشربوا منه . قال ابن جريج : استقبلوا جرية الماء ، فشربوا حتّى امتلأت بطونهم ، فأورثهم ذلك حبّا في قلوبهم . وقال السدّي : فمن كان يحبّه خرج على شاربه الذهب .

--> ( 1 ) . س : + وقوله . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 3 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 4 ) . في الهامش عنوان : التفسير .