محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
451
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال المتّبعون لأنبياء اللّه - عليهم السلام - : إنّ اللّه تعالى بعث الأنبياء وجعلهم على ترتّب وتفاضل ، ولمّا كان الخطاب لبني إسرائيل ابتدأ بموسى - عليه السلام - وبيّن أنّه آتاه الكتاب وكلّمه وقفّى من بعده بالرسل مصدّقين لما بين أيديهم ، وعقّبهم بعيسى وآتاه البيّنات وأيّده بروح القدس ؛ فما من نبيّ إلّا وهو مصدّق لما بين يديه ومبشّر بمن خلفه ؛ فمن صدّق واحدا من الأنبياء حقّ التصديق لم يمكن أن يكذّب نبيّا آخر ؛ وإن كذّب فلأنّه لم يصدّق الأوّل حقّ التصديق ، وإنّما أعني حقّ التصديق أن يصدّقه على ما تهواه نفسه و [ ما ] لا تهواه ، وعلى ما يدركه عقله و [ ما ] لا يدركه ؛ وإنّما التكذيب يأتي من قبل ما لا تهوى الأنفس ولا تدركه العقول ؛ فلو أنّهم سلّموا حقّ التسليم على المبسط والمكره ، وعلى ما يعلم وما لا يعلم ، صدّقوه حقّ التصديق . ( 196 ب ) لكن بني إسرائيل صدّقوه على ما هويت نفوسهم من النجاة من فرعون وسوء عمله ، وكذّبوه على ما كلّفهم بما لا تهوى أنفس بعضهم من اتّباع هارون - عليه السلام - وحسن خلافته ؛ فاتّخذوا العجل إلها وأضلّهم السامري ؛ وكذلك الحال في جميع تكاليفه بما لا تهوى أنفسهم من الصبر على طعام واحد ، والقول بحطّة ، ودخول الباب سجّدا ، وذبح البقرة إلى غير ذلك من التكاليف التي لا تهواها نفوسهم ، ولا تدرك لسانها وحكمها عقولهم ؛ وذلك هو الداء العضال في بني آدم ، والداعي إلى الضلال ، والسبب الحامل على التكذيب ، والمفضي إلى الجدال والقتال والقتل ؛ وذلك لأنّهم ما حكّموه حقّ التحكيم ، بل حكّموا هوى النفوس عليه ، وما سلّموه حقّ التسليم ، بل سلّموا زمام العقول إليه بشرط الوقوف على علل الأشياء وحكم التكاليف ؛ فذكر اللّه تعالى عقيب ذلك كلّه : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ بيانا لعلّة التكذيب وسبب القتل . وسرّ آخر : أنّ دعوة الأنبياء - عليهم السلام - أبدا إلى إثبات الترتّب والتفاضل ، ودعوة أضدادهم أبدا إلى التساوي والتماثل ؛ ففي قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ إثبات تفاضل الأنبياء على ساير الناس ؛ إذ خصّهم بتنزيل الكتاب وإعطاء البيّنات والتأييد بروح القدس ، ولم يعط ذلك غيرهم ؛ وإذ