محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
442
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الميثاق بقبولها ، فقبلوها لسانا ثمّ خالفوها فعلا ؛ فلذلك عقّبه بقوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 ) التفسير والقصّة أي أنتم يا معشر اليهود ! تقتلون أنفسكم ، أي بعضكم بعضا . قال أهل التفسير : إنّ اليهود الذين كانوا بيثرب افترقوا فريقين : فطائفة منهم بنو قينقاع ولفّهم حلفاء الخزرج ، ويعني باللفّ من ينضمّ إليه ويلتف به ويجتمع معه ؛ وطائفة منهم بنو قريظة والنضير ولفّهم حلفاء الأوس ؛ وكان إذا وقع حرب بين الأوس والخزرج خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وقريظة والنضير مع الأوس يظاهر كلّ واحد من الفريقين حلفاءه حتّى يتسافكوا دماءهم ؛ والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة ؛ فيفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس ، ويفتدي قريظة والنضير ما كان من أسرائهم في أيدي الخزرج ، وذلك قوله : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وهذا قول عامّة المفسّرين . وروى الربيع عن أبي العالية قال : كانوا إذا استضعف قوم قوما أخرجوهم من ديارهم ؛ وقد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ، وأنّه إن أسر بعضهم بعضا أن يفادوهم ؛ فأخرجوهم من ديارهم ثمّ فادوهم عند الأسر ؛ فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض . قال السدّي : أخذ عليهم الميثاق وهو أربعة عهود : ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة على إخوانهم وفداء الأسير ؛ فأعرضوا عن الكلّ إلّا الفداء ؛ وذلك أنّ قريظة كانت حلفاء الأوس وكانت النضير حلفاء الخزرج يقع بينهم حرب ؛ فيقتتلون ، ثمّ يفادون الأسير ؛