محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
425
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقد روي عن عثمان بن عفّان أنّه قال : « واللّه ما تعنّيت ولا تمنّيت » 548 أي ما تخرّصت الباطل ولا اختلقت الكذب ؛ وقال مجاهد : يظنّون أي يكذبون ؛ وقيل : معناه يشكّون ؛ وقال ابن عبّاس : « 1 » يجحدون بتنزيله بالظنّ ، ويظنّون أنّ ما يسمعونه من علمائهم حقّ ؛ وعن معمّر عن قتادة أنّه قال : إنّما هم أمثال البهائم لا يعلمون شيئا إلّا أماني يتمنّون على اللّه الباطل ؛ وقال في رواية سعيد بن أبي عروبة وشيبان : لا يعلمون كتابا ولا يدرون ما فيه إلّا أمانيّ ، يتمنّون على اللّه ما ليس لهم ؛ وقال مجاهد في رواية ابن جريج : هم اليهود بدّلوا التوراة وكتموها ولا يعلمون الكتاب إلّا كذبا ؛ وقال في رواية : يتمنّون على اللّه غير الحقّ . ومن أهل المعاني « 2 » من قال : إلّا أمانيّ أي قراءة ظاهرة وتلاوة من ظهر القلب لا من الكتاب ؛ وهذا قول أبي روق والفرّاء وأبي عبيدة . قال اللّه تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في قراءته . وروي عن أبي العالية والحسن : إلّا أن يتمنّوا على اللّه الباطل ، مثل قولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً وقولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ ؛ وهذا معنى قول قتادة ومجاهد . قال الفرّاء وابن الأنباري : « 3 » إن قلنا الأماني هي الأكاذيب فهو استثناء منقطع يريد لا يعلمون الكتاب أصلا ، لكنّهم يتمنّون على اللّه ما لا ينالون ، وهو كقوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي لكن اتّباع الظنّ . وقال أهل اللغة : « 4 » الأماني جمع أمنية وهو كلّ ما يحدّث به الإنسان نفسه ممّا يرجو نيله ، ثمّ تسمّى القراءة تمنّيا لأنّها تشبه التحدّث ؛ فلذلك فسّرت الأماني هاهنا بالأحاديث ؛ وقيل : الأمنية الحديث المفتعل ؛ وقال أحمد بن يحيى : التمنّي الكذب ؛ وقال ابن الأنباري : المنى نفسه الكذب لأنّه لا حقيقة لها ؛ وقيل : إنّ أصل هذه الكلمة من التقدير ؛ والتمنّي ما يقدّره الإنسان من نفسه ؛ والمنيّ ما يقدّر منه الولد ؛ وقوله : تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ أي تقديرهم وظنّهم . قال الشاعر 549 :
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 3 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 4 ) . في الهامش عنوان : اللغة .