محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
418
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
له استعداد قبول التجلّي فيصير دكّا ، وله استشعار الخشية فيهبط من خشية اللّه وله استحقاق نزول القرآن عليه ، فيصير خاشعا متصدّعا من خشية اللّه ( 182 ب ) ، وله استيجاب عرض الأمانة فيشفق منها ؛ وهذا على خلاف مذهب المتكلّم ؛ إذا العقل يقتضي أن يكون الموصوف بهذه الأوصاف عاقلا فاهما للخطاب ، ويلزمه أن يكذّب القرآن بظاهره ، أو يكدّره بتأويله المتغيّر الفاسد كما سمعتم . يحرّفون الكلم عن مواضعها . ولا يستوي ذلك كلّه على موجب العقل ؛ فإنّ العقل كما يأبى خطاب الجبل وخشية الجبل كذلك يأبى هذه التأويلات الفاسدة ؛ فإنّ كلّها ممّا ينافي ظاهر اللفظ ويبطل سياق المعنى ؛ ولو تتبّعنا كلّ تأويل ذكروه وذكرنا فساده طال الكلام ، لكنّا نرجع إلى ظاهر القرآن ، حيث أخبر التنزيل بأنّ الجبال كانت مخاطبة بالتأويب مع داود - عليه السلام - قال تعالى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ كما ورد به الخبر ، وكان طور سيناء مخصوصا بالتجلّي : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ، وكان ثبير مخصوصا بالتكلّم مع النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وكانت [ السماوات والأرض ] مخاطبة بقبول الأمانة : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الآية ، وكان الجبل مستعدّا لقبول القرآن : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ؛ فيجب أن نعرف أنّا إذا أجرينا الآيات على ظواهرها ؛ فنقول : إنّ خطاب كلّ شيء على حسب ما يليق به ، كما أنّ إجابة كلّ شيء على حسب ما يليق به ، كما قال : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . وفي التأويل الجبال رجال : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ؛ فيشبّه الربّ تعالى قلوب الكفرة بالحجارة ، ثم قال : بل هي أَشَدُّ قَسْوَةً ؛ وبيّن الأشدّ بثلاث صفات في الحجر لم توجد هي في قلوب الكفرة : أحدها : التفجير بالأنهار ، ولم يوجد في تلك القلوب تفجير العلوم والأسرار . والثانية : التشقّق ؛ فيخرج منها الماء ، ولم يوجد في تلك القلوب التعلّم والتفكّر ؛ فيخرج منه العلم . والثالثة : الهبوط من خشية اللّه ، ولم توجد في القلوب القاسية الخضوع والتذلّل من خشية اللّه . فيعلم بهذا المثل أنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة ، والموازنة بين المثل والممثّل به يجب أن تكون بأقصى ما يمكن حتّى يحصل من التمثيل فائدة التفصيل .