محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
412
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قال المفسّرون : « 1 » فضربوه ببعض آذان البقر على الاختلاف الذي ذكرنا فيه ؛ فقال القتيل وأوداجه تسيل دما ؛ فسألوه من قتله ، قال : قتلني فلان ، أو قال : قتلني ابن أخي ؛ فقتل القاتل به ؛ وفي بعض الروايات أنّه أنكر القاتل قال : واللّه ما قتلته ؛ فكذب بالحقّ بعد المعاينة وقيل : إنّ البقرة صدقته في قوله قتلني فلان . الأسرار قال المستبصرون بآيات اللّه : في قصّة البقرة آيات وأسرار : منها : التنبيه على وجوب امتثال الأمر دون طلب الكشف عن كيفياته وأسبابه وغاياته ؛ فإنّ اكتناه أسرارها لا يمكن الوقوف عليها ، والقوم لمّا استكشفوا الحال عن سنّ البقرة ولونها وعملها تضاعفت عليهم التكاليف بكلّ سؤال ؛ ولولا أن ينبّههم بقوله : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ وإلّا فما زالت بهم التوهّمات والمشابهات حتّى ( 180 آ ) يزيدوا على السؤالات الثلاثة مائة أو أكثر ؛ وقد قال اللّه تعالى لهذه الأمّة : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ؛ وقصّة البقرة تنبيه لهذه الأمّة في هذا المعنى . ومنها : أنّ اللّه تعالى جعل تشديدهم على أنفسهم في أوصاف البقرة سببا لزيادة النعمة في حقّ الولد البارّ بأبيه وأمّه ، وكان السرّ في قتل القتيل واشتباه الأمر ، والأمر بذبح البقرة ، واستكشاف القوم عن سنّها ولونها وعملها تعيين تلك البقرة التي سرّحت على التوكّل ، ودعيت بأخصّ دعوات الصالحين ، وامتحن بها برّ الولد البار [ بأمّه ] وامتثال أمرها . فلو أنّ القوم ذبحوا بقرة - أيّة بقرة - كانت أجزأتهم ، ولكن كان لم يصل البارّ بأمّه إلى ثوابه في الدنيا ؛ وللّه تعالى أسرار في مقاديره وألطاف في تكاليفه ؛ فإن أضرّت بقوم نفعت قوما ، وإن خسر قوم ربح قوم . ومنها : ظهور إحياء الموتى لهم معاينة ، ورؤيتهم آيات اللّه مشاهدة ؛ فيصير إيمانهم بالبعث إيقانا ، وغيبتهم شهادة ، وتسليمهم بصيرة ، واللّه قادر على كلّ شيء ؛ فلو شاء لأحيا ذلك المقتول من غير واسطة البقرة وضربه ببعضها ، لكنّه امتحنهم بذبح البقرة تكليفا ، وكلّفهم
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .