محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
410
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فسألتهم أضعافها من الثمن ؛ إذ لم يكن لهم غيرها ؛ فقال لهم موسى : إنّ اللّه خفّف عليكم ؛ فشدّدتم على أنفسكم ؛ فأعطوها رضاها ؛ فاشتروها بحكمها وذبحوها . قال اللّه تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) التفسير أي اختلفتم وتدافعتم ؛ فدفع كلّ واحد القتل عن نفسه وأحاله على غيره ، وأصله تدارأتم « 1 » فأدغمت التاء في الدال فصار التاء ( 179 آ ) دالا مشدّدة وأدخلت الألف ليسلم السكون للدال الأولى ، ومثله : « اثّاقلتم » و « ادّاركوا » وهي قراءة أبيّ . فتدارأتم والكناية في قوله : « فيها » تعود إلى النفس ، ويحتمل عودها إلى القتلة . قال ابن عبّاس ومجاهد : أي اختلفتم فيها وفي قتلها ؛ ونحوه قال القتيبي . قال الضحّاك : اختصمتم . قال الربيع : تدافعتم . وقوله : وَإِذْ قَتَلْتُمْ معطوف على قوله : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى ؛ * والذكر مضمر فيه ، وهذا تبكيت لليهود الذين كانوا في عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهم لم يباشروا القتل « 2 » ولكنّهم تولّوا قوما باشروه ؛ فلمّا جمعهم النسب والدين والموالاة عاتب البعض على فعل البعض . وفي هذه القصّة من الفائدة أنّه يجوز أن يضاف إلى القوم حدث كان من واحد منهم ، فإنّه قال : قتلتم ، وكان القاتل واحدا من جملتهم . وقوله : وإذ قتلتم نفسا مؤخّر عن ذكر البقرة ، وأمر القتيل كان مقدّما على قصّة البقرة . فقال أهل المعاني فيه : يحتمل أنّه سبحانه لمّا أمرهم بذبح بقرة علموا أنّ البقرة لا تذبح إلّا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم ؛ فلمّا استقرّ ذلك في نفوسهم أتبعه بقوله : وإذ قتلتم نفسا على جهة التوكيد ؛ وقال بعضهم : فيه تقديم وتأخير « 3 » كأنّه قال : واذكروا إذ قتلتم نفسا واختلفتم فيها وأمركم اللّه بأن تذبحوا بقرة ؛ والأشبه بالنظم أنّ المقصود بتذكير هذه القصّة
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 3 ) . في الهامش عنوان : النحو .