محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
392
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وأظهر لهم الآيات فقد لزمتهم الحجّة وذلك أخذ الميثاق . وقال المفسّرون : إنّ اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى - عليه السلام - وأمر موسى قومه بالعمل بأحكامها ؛ فأبوا أن يقبلوها لما فيها من الآصار والأثقال التي فيها ؛ فأمر اللّه - عزّ وجلّ - جبريل - عليه السلام - ؛ فقلع جبلا على قدر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم ( 171 آ ) مقدار قامة رجل ؛ وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : إنّ اللّه أمر جبلا من جبال فلسطين ؛ فانقلع من أصله حتّى قام على رؤوسهم مثل الظلّة ؛ وقال في رواية عطاء : رفع اللّه فوق رؤوسهم الطور وبعث نارا قبل وجوههم ، وأتاهم البحر المالح من خلفهم ؛ وقيل لهم : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي اقبلوا ما أعطيناكم بجدّ واجتهاد ؛ وقال لهم موسى : إن لم تقبلوا التوراة بما فيها أحرقكم اللّه بهذه النار ، وغرّقكم بهذا البحر ، وطبق عليكم هذا الجبل ؛ فأخذوها كارهين له . والطور هو الجبل بلغة السريانية على قول مجاهد وابن وهب ؛ وعلى قول قتادة : هو اسم لكلّ جبل ؛ والصحيح أنّه عربي ولا تمتنع الموافقة بين اللغتين وهو قول الخليل ؛ وقيل : الطور كلّ جبل عال وعليه نبات ؛ وفي الكلام إضمار وتقديره : وقلنا لهم « خذوا » والأخذ : الشدّة ، والأخذ : قبوله والعمل به . قال ابن عبّاس وقتادة والحسن : معناه بجدّ واجتهاد ومواظبة على طاعة اللّه ، واذكروا ما فيه من الحدود والأحكام والحلال والحرام ، وهو قول ابن عبّاس في رواية عطاء ؛ وقال في رواية الضحّاك : واذكروا ما فيه من صفة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - ؛ وقال مجاهد : « 1 » معناه واعملوا بما فيه ؛ وقيل : ليكن الكتاب منكم على بال ولا تهملوه ولا تتركوا التفكّر والتدبّر فيه ؛ وقيل : أراد به ذكر اللسان كأنّهم أمروا بالقراءة والدراسة والتذاكر ليكون الوعد والوعيد فيه على ذكرهم . وقوله ما فِيهِ الكناية راجعة إلى ما في قوله : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ، ويجوز أن يرجع إلى الميثاق ، كأنّه حذّرهم عن نقضه بالعقاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أي اتّعظوا به لكي تنجوا من العقاب في الدنيا والآخرة أو لتكونوا متّقين أو تكونوا على طمع من تقوى عقاب اللّه بالعمل بما في الكتاب .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .