محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

390

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأصنام وأحال الذنب على كبيرهم إلزاما للحجّة عليهم ، وأبطل مذاهب الصابئة وأشار إلى الكواكب والقمر والشمس بهذا ربّي كسرا عليهم وإبطالا لمذهبهم ، لا جريا على مذاهبهم . وقد قال اللّه تعالى : أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، والحنيفية التي هي ضدّ ( 170 آ ) الصبوة نيابة الرجال وهزبر الكمال في الصورة البشرية فطرة وخلقة لا اتّحادا وحيلة : إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ كما قال الأوّلون : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ * وكما قال الآخرون : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ ؛ * وللّه تعالى أمر وحكم على خليقته ، ولا بدّ من متوسّط للأمر وذلك المتوسّط رجل منكم ومن أنفسكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . فالصابئة عرفوه من جهة المشابهة وهي البشرية ، والحنفاء عرفوه من جهة المباينة وهي الروحانية الربّانية . فقالت الصابئة : إنّهم في النوع على المشابهة وفي العقل على التساوي ؛ فكيف يطيع واحد واحدا من نوعه يساويه في العقل ويشابهه في الصورة ؟ ! وقالت الحنفاء : إنّهم في النوع على التباين وفي العقل على الترتّب والتضادّ ؛ فلم لا يطيع واحد واحدا ، ولم لا يسلّم أحد لأحد ؟ ! فقد قال اللّه تعالى : إنّهم إذا آمنوا باللّه ؛ فيجب أن يؤمنوا برسوله وكتابه يؤتيكم كفلين من رحمته ؛ فهذه مذهب الصابئة وله شرح طويل يرجع فيه إلى كتاب الملل 539 . وما يليق بالتفسير هاهنا هو أنّهم جماعة أصحاب مقالات ، ومنهم خرج الحلول والتناسخ وإنكار البعث ، ولذلك عقّب اللّه الإيمان الأوّل بالإيمان الثاني باللّه واليوم الآخر ؛ إذ كان إنكارهم على البعث أشدّ من إنكارهم النبوّة ، وقولهم بالمبدأ أقوى من قولهم بالمعاد ؛ فقال : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو إشارة إلى المبدأ والمعاد ، وَعَمِلَ صالِحاً إشارة إلى التكليف الواجب في الوسط حتّى يعرف من أين جاء ؟ ولأيّ أمر جاء ؟ وأين يذهب ؟ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ؛ وهذا هو وجه الجمع بين الإيمانين ، وقد كفينا الأقاويل المختلفة والآراء المباينة ؛ فكلّ من كان على دين إذا وصل حبله بحبل الدين القيّم وآمن بما أنزل على النبيّ المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - وآمن باليوم الآخر وعمل صالحا لذلك اليوم فلهم أجرهم عند ربّهم ، لا يضيع عنده عمل مثقال ذرّة ولا خوف عليهم ( 170 ب ) من عذاب الآخرة ولا هم يحزنون على فوات الدنيا .