محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

366

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

من مصر إلى أريحا وبينها بريّة وهي أرض التيه بين مصر والشام ، ليس فيها كنّ ولا بناء ولا ستر ولا ماء ولا عمارة ؛ فتاهوا فيها أربعين سنة ، ظلّهم الغمام وطعامهم المنّ والسلوى ، وشرابهم من الحجر الذي انبجست منه اثنتا عشرة عينا . وفي بعض التفاسير « أنّ التيه كان بسبب دعاء بلعم بن باعور حين كان في لباس الولاية » والصحيح هو الأوّل . الأسرار قال الذين وقاهم اللّه تعالى عذاب التيه : إنّ التيه في بني إسرائيل كالحيرة الواقعة في هذه الأمّة من امتناعهم دخول بيت المقدّس ، مقدّس النبوّة من باب حطّة ؛ وقد قيل لهم : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً سامعين مطيعين ؛ وقد سمعت في الأخبار : « عليّ باب حطّة » 532 و « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » 533 . وجماعة قالوا : إنّا لن ندخلها أبدا ، وجماعة دخلوا البيت لا من بابه ، وجماعة هدموا الباب وقتلوا باب الأبواب ؛ فانسدّت عليهم الطرق وتاهوا في سبيل اللّه ، وتحيّروا في دين اللّه ، حتّى أظلمت عليهم حجج اللّه وآياته وفقدت لديهم براهينه وبيّناته ، وقد كان التيه لبني إسرائيل أربعين سنة وكان التيه في هذه الأمّة قد زاد على أربع مائة سنة ؛ لأنّ الجرم هاهنا أعظم ؛ ومن هدم الأبواب أظلمت عليه الأسباب ولكن قد ظلّلهم اللّه بغمام الشريعة ظاهرا حتّى عاشوا بها ، ومنّ عليهم بالمنّ والسلوى - أعني التنزيل والتأويل - وفتح لهم من الحجر بضرب العصا اثنتي عشرة عينا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ * وذلك نعمة من اللّه تعالى لا يستحقّونها إلّا بكون جماعة من أهل الحقّ ممتحنين بالتيه لموافقتهم ، مبتلين ببلائهم ، كما كانت أحوال بني إسرائيل ؛ فإنّ المجرمين ما استوجبوا أن ينزل عليهم المنّ والسلوى وأن يظلّهم الغمام وأن يسقيهم موسى من الحجر ، لكن المخلصين ( 159 ب ) كانوا فيما بينهم مبتلين ببلائهم ، وكان المجرمون متمتّعين بكرامتهم منعّمين بنعمتهم حتّى يقضي الكتاب أجله ، ويمتاز كلّ فريق عن فريق ؛ وقيل : امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ وقيل للذين أنعم اللّه عليهم : ادخلوا الباب ؛ فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون .