محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

362

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

البريء بذنب المجرم ؟ ! كأنّه قيل له : وارتق بدرجة ثمّ اطّلع على السرّ المخزون ، حتّى قال : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي استخلاصك الخليقة وامتحانك البريّة ؛ وكان في ذلك استخلاصهم عن الأوضار البشرية حتّى خلص سرّهم لقبول سرّ الغيب ، واستخلاص موسى أيضا حيث وقع بصره على سرّ القدر ؛ فقيل له : أصبت فالزم ؛ وفي بعض التفاسير رأيت أنّه لمّا قال : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ خاطبه الربّ تعالى : يا حكيم الأنبياء أعد ما قلت . فقال : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ وكان يخاطبه بحكيم الأنبياء ويستعيده المقالة أربع كرّات ، وما كان قبل ذلك يخاطب بحكيم الأنبياء . فقد وقع بصره على سرّ التقدير ، ووصل به إلى الكمال المطلوب ، وحصل له العلم المخزون ؛ فقال : تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ، ويقال : فتنت الإبريز بالنار أي استخلصته . فتميّز الصافي عن الزيف ، واهتدى من وجبت له الهداية ، وضلّ من حقّت عليه كلمة العذاب . وعقّبه بأن قال : أَنْتَ وَلِيُّنا * أي مولانا وناصرنا وحافظنا ومالك أمرنا ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 157 ب ) وذلك قوله : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي نعمة اللّه ، يبعث موسى بالحقّ ؛ فلا تقولوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ويبعثكم من بعد موتكم ؛ فلا تقولوا كمن قال : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قوله - جلّ وعزّ - : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) النظم وتظليل الغمام عليهم ، وإنزال المنّ والسلوى في التيه إليهم ، قد كانت من النعم التي أسداها اللّه تعالى إليهم ، وقابلوا ذلك أيضا بالكفران ؛ وما ظلمهم اللّه ولكن ظلموا أنفسهم . التفسير قال أهل التفسير : هذا إنّما كان في التيه ؛ إذ لم يمتثلوا أمر اللّه في دخول بلدة الجبّارين ،