محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
358
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
مسعود قالوا : الصاعقة هاهنا نار نزلت من السماء ؛ فماتوا ؛ فقام موسى يبكي ويدعو ، ثمّ إنّ اللّه تعالى أحياهم فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون ؛ فقالوا يا موسى ! ادع اللّه أن يجعلنا أنبياء ؛ فدعا فجعلهم اللّه أنبياء ؛ وعلى هذا يحتمل أن يكونوا إنّما ماتوا عند رؤية الصاعقة . وأمّا الكلبي فإنّه صرّح بأنّ الصاعقة كانت نارا أحرقتهم ، قال السبعون لموسى : إنّ لنا عليك حقّا لأنّا أصحابك وخيرتك ولم نصنع ما صنعه عبدة العجل فأرنا اللّه عيانا كما رأيته ؛ فقال موسى : ما رأيته ولقد سألته أن أنظر إليه فأبى . فقالوا : واللّه لن نؤمن لك ولن نصدّقك بالرسالة حتّى نرى اللّه جهرة . فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا جميعا . قال : ثمّ بعثهم اللّه من يومهم ؛ فقالوا : يا موسى ! قد علمنا الآن أنّك لم تره ولكنّك قد سمعت كلامه ( 155 ب ) فأسمعنا كلامه . قال موسى : أمّا هذا فعسى ؛ فسأل ربّه فأجابه إليه ؛ وقال : « قل لهم من أحبّ أن يسمع كلامي منهم أو من قومهم فليعتزل النساء ثلاثة أيّام ثمّ ليغتسل وليلبس ثيابا جددا ثمّ ليأت معك الجبل فثمّ أسمعهم كلامي . » فبلغهم موسى ما أمر به ؛ ففعلوا ذلك ثمّ سمعوا كلام اللّه . وقال مقاتل : إنّ السبعين المختارة سألوا الرؤية ولم يشعروا أنّ قومهم عبدوا العجل ، وإنّما صحبوا موسى إلى الطور ليكرمهم بالتوراة ؛ فقالوا : إنّ لنا عليك يا موسى ! حقّا ؛ فأرنا اللّه كما رأيت . فقال : واللّه ما رأيته ؛ فلم يصدّقوه ، وقالوا : لن نصدّق بالتوراة أنّه من اللّه حتّى نرى اللّه جهرة ؛ فأخذتهم الصاعقة وهو الموت ؛ وظنّ موسى أنّهم إنّما صعقوا بخطيئة أصحاب العجل . فقال : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ ، ثمّ دعا اللّه فأحياهم ، ثمّ انصرفوا مع موسى ؛ فلمّا دنوا من العسكر وسمعوا الأصوات قالوا : قتال في المحلّة . فقال موسى : لا ولكنّه صوت الفتنة ؛ ومصداق هذا القول قوله تعالى : وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ إلى قوله : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وقال الربيع بن أنس : سمعوا صوتا ؛ فصعقوا وماتوا . قال ابن جرير : « 1 » الصاعقة كلّ أمر هائل من صوت أو نار أو زلزلة يصير من تصيبه إلى الهلاك وذهاب العقل .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .