محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
353
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
العجل وكذلك قوله : « 1 » أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً أي أتعبد . والاتّخاذ الاصطفاء كقوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ؛ والاتّخاذ العمل والبناء وغيره كقوله : أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ، فقال قومه ما الحيلة فيما صنعنا يا موسى ؟ قال : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ أي ارجعوا إلى اللّه الذي هو خالقكم ، وهو الرجوع إلى طاعته والندم على ما فعلتم ؛ والبريّة الخلق وهي فعيلة بمعنى مفعولة « 2 » إلّا أنّه ترك همزه لكثرة الاستعمال . وقال الفرّاء : ومنهم من جعل البريّة من البري وهو التراب . يقول : براه اللّه يبروه بروا ؛ فإن أخذت البريّة من البري فأصله من غير همز « 3 » وإن أخذتها من برأ اللّه الخلق فهي مهموزة ؛ وكان أبو عمرو يختلس من الهمزة إلى الجزم في بارئكم . ثمّ من أهل المعاني من لم يفرّق بين الخالق والبارئ ومنهم من فرّق فقال : البارئ المبدع ، والخالق المقدّر . قالوا : كيف نتوب إليه ؟ قال : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي ليقتل بعضكم بعضا كقوله : فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ ؛ وهو قول المفسّرين قالوا : ولم يؤمروا أن يقتل كلّ واحد نفسه . قال محمّد بن إسحاق « 4 » : معناه استسلموا للقتل ، وقال ابن عبّاس : معناه ليقتل البريء منكم المجرم . قال : أبى اللّه تعالى أن يقبل توبة بني إسرائيل إلّا بالحال التي كرهوه أن يقاتلوا عبدة العجل ؛ لأنّ هارون - عليه السلام - أمرهم بقتالهم ؛ فكرهوا ذلك ؛ فجعل اللّه توبتهم أن يقتلهم هؤلاء الذين كرهوا قتالهم . قال قتادة : ابتلوا واللّه بشديدة من البلاء ، أمروا أن يتناحروا بالشفار ؛ فقاموا صفّين يتناحرون ؛ فلمّا أن بلغ اللّه فيهم نقمته سقطت الشفار من أيديهم ؛ فكان للمقتول منهم شهادة ، وللحيّ منهم توبة . وروى معمّر عن الزهري وعن قتادة أيضا أنّهم قاموا صفّين يقتل بعضهم بعضا حتّى قيل لهم : كفّوا . قال مجاهد وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير : قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل كلّ منهم من يلقاه لا يحن رجل على رجل قريب أو بعيد ؛ فتكشفت الظلمة عن سبعين ألفا . قال مجاهد : يقتل الرجل أباه وأخاه فبلغ ذلك في ساعة من النهار سبعين ألفا .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة والمعاني . ( 3 ) . س : من غيرهم . ( 4 ) . في الهامش عنوان : التفسير والقصة .