محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

345

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الموضع الذي ذكرت له أن أعهد إليه بالمناجاة وبيان الأحكام من الفرائض والسنن والحدود في المعاملات ؛ فلمّا أنجزته ما وعدته وتأخّر رجوعه إليكم كفرتم بي واتّخذتم العجل من بعده ؛ وخاطب الكلّ بذلك لفعل الأكثرين منهم ؛ وإنّما خاطب المعاصرين بأنّكم اتّخذتم ؛ لأنّهم على دين أولئك القوم يوالونهم ويذبّون عنهم . وقال محمّد بن جرير : « 1 » معنى الكلام : واعدنا موسى موافاة الطور لمناجاتنا ؛ وقال بعضهم : اذكروا إذ جعلنا لموسى ميعادا لمناجاتنا وإيتاء التوراة . والوعد يتعدّى إلى مفعولين . فقوله : أربعين ليلة منتصب ؛ لأنّه المفعول الثاني لا للظرف ؛ لأنّ الوعد لم يكن في جميع الأربعين كلّها ولا في بعضها ، وإنّما الوعد يقضي الأربعين ؛ والمعنى واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أو تتمّة أربعين ليلة للمناجاة [ وإيتاء ] التوراة . فحذف المضاف ؛ وهذا قول كثير من النحويين مثل الأخفش وقطرب ، وهذا كقول القائل اليوم : أربعون يوما مذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين . قال ابن جرير : « 2 » وظاهر الأخبار بخلاف هذا ؛ لأنّ فيها أنّ موسى - عليه السلام - أقام بالجبل أربعين ليلة ؛ وهذا قول الربيع وأبي العالية ؛ فيحتمل أنّه وعد أن ينزل عليه الكتاب بعد تمام الأربعين من حين يجيء إلى الجبل ؛ فجاء وأقام بالجبل أربعين ليلة يوحى إليه ما يوحى . ثمّ لمّا انقضى الأربعون نزلت عليه التوراة ؛ وقال ابن جرير : إنّ الليالي الأربعين كلّها داخلة في الميعاد . وقال المفسّرون : « 3 » إنّ بني إسرائيل لمّا أمنوا من عدوّهم دخلوا مصر آمنين ، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ؛ فوعد اللّه موسى أن ينزل عليه التوراة . فقال موسى ( 150 آ ) لقومه : إنّي ذاهب لميقات ربّي وآتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون ؛ وواعدهم أربعين ليلة ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجّة ، واستخلف عليهم أخاه هارون ؛ هذا قول عطاء وأبي صالح عن ابن عبّاس . وقول مقاتل وأبي العالية وغيرهم : أنّها ذو القعدة وعشر من ذي الحجّة . وقال بعضهم : إنّها ذو الحجّة وعشر من المحرّم .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 3 ) . في الهامش عنوان : التفسير .