محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

339

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال الواقفون على أسرار المذاهب : إنّ الصابئة في الزمان الأوّل أعني زمان شيث وإدريس 528 - عليهما السلام - كانوا يذهبون مذاهبهما في العلوم الحكمية ، ويتلقّون منهما أسرار النجوم وكيفية مسيرها في أفلاكها ، والتمييز بين الثوابت منها والسيّارة ، والفرق بين البروج وأذنابها ؛ وكانت تلك العلوم مستندة إلى الوحي واليقين ، فيها ما هو مبنيّ على الحساب ؛ فغيّروا وبدّلوا ما تلقّوه من غاذيمون وهو شيث - عليه السلام - وأصلح ذلك بالتغيير هرمس العظيم وهو إدريس - عليه السلام - في زمانه ثمّ ظهرت جماعة في زمان ( 147 آ ) نوح - عليه السلام - باشروا تلك العلوم بعقولهم الناقصة وآرائهم الفائلة ، وبنوا عليها الأحكام التي تحدث في هذا العالم من الخير والشرّ ، ونسبوها إلى الاتّصالات التي تحدث فيها ظنّا وتخمينا ، وكان أعلمهم بها خمسة رجال يغوث ويعوق والود والسواع والنسر أنكروا النبوّة في الصورة البشرية ، وقالوا هم رجال ونحن رجال ، ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ . فلنا الهياكل الروحانية التي هي أرباب ولها روحانيات هي المتوسّطات في الخلق ؛ فنتقرب إليها متوجّهين إلى الهياكل تقرّبا إلى ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب ؛ ونسج على منوالهم العمالقة الأولى في زمان هود وصالح قبل إبراهيم عليه و - عليهم السلام - واحتجاجات الأنبياء الثلاثة نوح وهود وصالح - عليهم السلام - في القرآن مذكورة : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ؛ * وحكم الثلاثة عليهم حكم واحد ؛ إذ كانوا يقولون بالهياكل أوّلا ، ثمّ بأصنام الكواكب ثانيا وسمّوها آلهة ، كما سيأتي تفصيل مذاهبهم بعد إن شاء اللّه . ثمّ لمّا امتدّ الزمان إلى الخليل إبراهيم - عليه السلام - زاد غرور اللعين عليهم بتقرير مذاهب الطبيعيين وإنكار الموجودات التي هي وراء الطبائع و حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ؛ وزاد على الصابئة بعلوم أدرجها في بحث الأصنام وكان يراعي في عملها اليوم والساعة والجوهر والصورة واللباس والبخور والخاتم ، ويدعو بدعاء الكواكب ويسأل الحاجة التي يطلب من مثله ؛ فوفّق اللّه تعالى خليله حتّى أفحم عبدة الأصنام قولا وكسر الأصنام فعلا ، وأيّده على عبدة الكواكب حتّى احتجّ عليهم بالأفول والزوال وقرّر الدين الحنيفي والإسلام ، وأبطل