محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
329
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وثلثها دعاء « 1 » » تسوّس النفس التي تميل إلى الجاه ويثور منها الكبر : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ المتواضعين ، والزكاة التي قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله - فيها : « إنّها طهرة » 520 يعني طهرة الأموال والنفوس ، تسوّس النفس التي تميل إلى حبّ المال والنعمة ، ويثور منها الحرص والبخل ، قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . وقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « لا صلاة لمن لم يؤدّ الزكاة » 521 والصوم والصبر الذي قال - عليه السلام - : « الصوم وجاء أمّتي » 522 يسوّس النفس التي تميل إلى حبّ النساء والبنين ، ويثور منها الفساد والفحشاء والحسد . قال اللّه تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربّه » 523 وقد بيّن هذه الاستعانة قول النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « ما ذئبان ضاريان في زريبة غنم قوم غاب عنها رعاؤها بأضرّ من حبّ المال والسرف في دين المرء المسلم ؛ فاستعينوا على الذّئبين بالصبر والصلاة » 524 وإذا ساس المرء هاتين النفسين بهذه العبادات استخلصها من الأوضار البهيمية والسبعية وهي الكبر والعجب وحبّ الجاه والسرف والحرص والبخل وحبّ المال والنعمة ؛ فأطاعتا للنفس المطمئنّة الساكنة إلى ذكر اللّه تعالى المسلّمة لأمر اللّه ، ورجعت هي إلى أمر اللّه راضية بحكم اللّه مرضيّة عند رسول اللّه ؛ فاستصحبت النفسين المرتاضتين فقيل لها : فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي . وسرّ آخر : أنّ الأعمال الصادرة عن الرجال في هذا الكون هي رجال في ذلك الكون ؛ واليوم هي أعمال صادرة عن أشخاص وغدا هي أشخاص صادرة عن أعمال ؛ وقد سمعت في الأخبار : أنّ شخصا يجيء المؤمن في قبره ويجلس عند رأسه تفوح منه رائحة المسك وبيده شمعة فيقول : أنا صلاتك ، ويجيء آخر على مثل صورة الأوّل فيقول : أنا صومك . غير أنّ تلك الأشخاص التي خلقت من الأعمال روحانيات على مزاج ذلك الكون ، والذي سمعت أنّ الصلاة رجل والصوم رجل والزكاة [ رجل ] ، إن تأوّل على هذا الوجه وفي ذلك الكون ( 143 آ ) فهو صحيح ، وكانت العبادات مؤثّرة في تحويل النفوس وتنميتها وتزكيتها في هذا العالم ، ناهية عن الفحشاء والمنكر والبغي ، ومؤثّرة في إحياء النفوس وإنشائها في
--> ( 1 ) . لم نجده فيما بين أيدينا من مصادر .