محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

319

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وبالباطل كفرهم ، ويكتموا الحقّ يريد نبوّته . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي أنزلت ذكره في التوراة والإنجيل هو أحمد الضحوك للقتال ، يركب البعير ، ويلبس الشملة ، ويجتزي بالكسرة ، سيفه على عاتقه ، وأنتم تعلمون أنّه ليس كما يتأوّلون ؛ وهذا معنى قول الزجّاج . « 1 » وكان الذي يتولّى التحريف جماعة من رؤسائهم يجوز عليهم التواطؤ على الكذب ، وكانوا يشبّهون على العوام أمر محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - الذي هو الحقّ بتحريفهم تأويل ما يجري في الكتاب من ذكره وهو الباطل ؛ وقوله وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ قال الفرّاء : « 2 » إن شئت جعلت وتكتموا في موضع الجزم بالعطف ، أي لا تلبسوا ولا تكتموا ، كقوله تعالى : لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ أي ولا تخونوا . قال : وإن شئت نصبته على الصرف ؛ ومذهب البصريين أنّ جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار « أن » ، أي لا يكن منكم لبس الحقّ وكتمانه ، كأنّه قال : وأن تكتموه . وقوله : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تأتون لبس الحقّ وكتمانه على علم منكم ، وتعبيره : أنّكم تلبسون . الأسرار قال أهل الحقّ الذين لم يلبسوه بالباطل : أصل الضلال من لبس الحقّ بالباطل وعرض الباطل في صورة الحقّ ؛ والحقّ والباطل يتشابهان في الكون الأوّل ويتباينان في الكون الآخر ؛ ومثال ذلك قول القائل : زيد في هذه الدار في هذه الساعة ، وقول آخر ؛ زيد ليس فيها في هذه الساعة ؛ فلا يشكّ أنّ أحد القولين صدق وحقّ والثاني كذب وباطل ، لكنّ القولين في كون السمع يتشابهان وفي كون البصر يتباينان ؛ ، فإنّك إذا أبصرت زيدا وهو في الدار زالت المشابهة وظهر الصدق ؛ وكلّ من أراد أن يلبس الحقّ بالباطل ويكتم « 3 » الحقّ ، فإنّما يتروّج له ذلك في الكون الأوّل كون المشابهة ، ولا يتأتّى له ذلك في الكون الثاني كون المباينة ؛ فاليهود ألبسوا الحقّ المذكور في التوراة ( 139 آ ) وهو ذكر المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - بباطل آرائهم الفاسدة وتأويلاتهم الباطلة وإنّما تمشّى لهم ذلك على عوامّهم في الكون

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 3 ) . س : يكتموا .