محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

302

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

يشاء من عباده وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يلقّاها إلّا العالمون ، وهي فوق العالم الجسماني والعالم الروحاني ، ولا يحصرها عدد ، وعنها عبّر التنزيل بنفي النهاية : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً . ثمّ ما من موجود في العالمين إلّا ومعه كلمة إمّا قولية وإمّا فعلية ، والأنبياء - عليهم السلام - هم المتعبّدون بالإيمان ؛ هذا يؤمن باللّه وكلماته ؛ وهم المخصوصون بتلقّيها وقبولها إمّا سمعا وإجابة ، وإمّا ابتلاء وإيمانا وإمّا تكليما لمتشخّص ، وإمّا تشخيصا لكلمة : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ و ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ، فإن تاب على آدم بغفران خطيئته فبتلقّي كلمات اللّه ، إمّا كلمات الاستغفار كما حكي عن أصحاب الأخبار ، وإمّا كلمات قبول الأسرار من الأحكام المفروغة كما روي في الآثار على عبارات مختلفة : فهذا الذي عملته أشيء قدّرته عليّ أم أنا ابتدأته ؟ قال : لا ، بل قدّرته عليك ؛ وتلك إشارة إلى الحكم المفروغ ؛ إذ أكل من الشجرة المفروغ عنها ، وهو على المبدأ الآنف ، أو أكل من الشجرة المستأنفة وهو على الكمال المفروغ ؛ وأمّا كلمات أشخاص الكمال من ذرّيّته تلقّاها آدم من ربّه وأودعها صلبه وردّ الودائع على ممرّ الزمان إلى أشخاص الكمال من غير دنسة بذرّيّة الشيطان الرجيم ، وببركتها تاب عليه ( 131 ب ) إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ كما روي أنّه رأى اسم محمّد رسول اللّه مقرونا بكلمة لا إله إلّا اللّه ؛ فعلم أنّه أكرم الخلق على اللّه ؛ فقال : اغفر إليّ خطيئتي بحقّ محمّد عبدك ورسولك . وكلّ ما يروى من الأخبار فهو سرّ من الأسرار ، ولكنّ الراوي ربّما يكون حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ووراء هذه الأقسام التي ذكرناها أقسام أخر لا يعرفها إلّا ذو حظّ عظيم ، وكيف يمكننا الوقوف عليها ونحن لا نعرف من الكلمات إلّا المركّبات من الحروف والأصوات ؟ ! وهي على الاستحالة والتعاقب ؛ فلا يجامع حرفا حرف إلّا أبعده كما وجد ، وتلاشى كما حصل ؛ وتلك الكلمات القدسية هي المركّبات للحروف والمؤلّفات بين