محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
296
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
طف به » وأتاه جبرئيل - عليه السلام - فتوجّه به نحو مكّة وكلّ موضع نزلا صار قرى وعمرانا . وقال إسماعيل بن عبد الملك : أتاه جبرئيل بالبراق ؛ فحمله عليه حتّى قدم مكّة . وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : دخل آدم الجنّة ولباسه النور وعليه إكليل من زينة مكلّل بالدّرّ والياقوت ومنطقة وخلخالان وسواران ؛ فلمّا أكلا من الشجرة ذهب عنهما ذلك فصارا عريانين هاربين في الجنّة من الحياء ، يعمدان إلى ورق الجنّة وهو التين ، ويلزقان بعضه ببعض يغطيان عوراتهما ، ثمّ استحى كلّ واحد من صاحبه فتفرّقا في الجنّة . الأسرار قال أصحاب المعارف بآيات اللّه تعالى : إنّ اللّه خلق دارا بناها على المحبّة والائتلاف ، وأسكنها جماعة لا يتباغضون ولا يتحاسدون ، فلا جواهرهم متعادية متعالية ، ولا أخلاقهم متضادّة متنافرة ؛ فهم فوق عالم الطبائع المختلفة والأمزجة المتفاوتة ، وهم بأمره يعملون ، وبعلمه يعلمون ، كلمات القدس فيها تامّات صدقا وعدلا ، وأقلام التقدير فيها جاريات خيرا وشرّا ، متوجّهات إلى الخير وضعا ، ومستتبعات للشرّ تبعا ، وعقول الشهادة فيها ممتثلات للأمر الأعلى إقبالا وإدبارا ، ونفوس الطهارة فيها قابلات من العقل الأوّل غاية وكمالا ، وحملة العرش المجيد فيها مسبّحات بحمد ربّهم ، والملائكة المقرّبون يخافون ربّهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ، والمدبّرات أمرا في السماوات والمقتسمات أمرا في الأرض وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ؛ فَالتَّالِياتِ ذِكْراً والمعقّبات بين يدي الوحي والرسالة ومن خلفها يحفظونها بأمر اللّه عن أمر اللّه : فهي كلّها مفطورة على المحبّة والاتّفاق . وللّه تعالى بإزائها عالم ودار بناها على الغلبة والاختلاف ، وأسكنها جماعة على التباغض والتحاسد ، وجواهرهم متعادية ، وأخلاقهم متضادّة ، ونفوسهم متنافرة ، وطبائعهم مختلفة ، وكلماتهم ناطقة بالكذب والفحش ، وأقلامهم جارية بالشرّ والخبث ، وعقولهم شاهدة بالباطل ، ونفوسهم حاكمة بالفجور ، وكلّ ما هو خير في عالم الملائكة الروحانيّين واتّفاق ( 129 آ ) ومحبّة وائتلاف ؛ فهو في عالمهم عالم الشياطين شرّ واختلاف وبغضة وإسراف ؛ فهم على عكس ذلك العالم ، وما من خير فيهم صورة إلّا وهو في المعنى شرّ ،