محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
279
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الجهل الأوّل ؛ إذ كان السجود الأوّل لهم بالمشابهة في الكون الأوّل لا بالفطرة والأمر ؛ فإذ كان سجوده وعبادته بالمشابهة كان وجوده وروحانيته أيضا بالمشابهة . فمن قال : إنّه من الملائكة نظر إلى كون المشابهة ، وأدرجه في التكليف ؛ ومن قال : إنّه لم يكن من الملائكة نظر إلى كون المباينة وأخرجه من الوجود فضلا عن التكليف . فصدق الفريقان من هذا الوجه وكذبا ؛ إذ لم يحكما بالحكمين معا ؛ وكما يشابه الباطل الحقّ في الوجود في الكون الأوّل كذلك يشابه الشيطان الملائكة الروحانيين في الكون الأوّل حتّى إذا كان للملك قوّة الكون بكلّ مكان ( 121 آ ) والوجود في كلّ زمان والتصرّف في كلّ شخص كذلك يكون له الكون بكلّ مكان ولكن لا بالمكان الأعلى ، والوجود في كلّ زمان ولكن لا في الزمان الآخر أعني الآخرة ، والتصرّف في كلّ شخص ولكن لا في رجال الكمال ، أعني عباد اللّه المخلصين . وكما عرفت أنّ الحقّ يظهر بالمحقّ كذلك تعرف أنّ الباطل يظهر بالمبطل . فالإنسان الأوّل شخص آدم - عليه السلام - ؛ فإبليسه شخص من أشخاص الجنّ وهو الحارث بن مرّة ؛ وكذلك الإنسان الثاني والثالث إلى يوم القيامة حيث يقوم الناس لربّ العالمين ؛ فترتفع المشابهة بالأشخاص ؛ وإن قلت : الإنسان الأوّل هو نوع الإنسان وهو معنى في الأشخاص ، وكذلك إبليسه شيطان منتشر في العالم ، أي معنى في الأشخاص يجري في بني آدم مجرى الدم . وكما أنّ العقل الكلّ الفعّال له شخص في العالم الجسماني وهو النبيّ في زمانه أو النائب عنه أو الوارث منه في غير زمانه ، كذلك الجهل المشابه للعقل له شخص في العالم الجسماني وهو خصم النبيّ في زمانه أو خصم نائبه ووارثه في مكانه ؛ وأنّ من لم يقل بالأمر إبليس لعنه اللّه ، كذلك من لا يقول بالأمر من الأشخاص الفلاسفة ؛ وكما أنّ اللّه تعالى يتكلّم على لسان الأنبياء - عليهم السلام - كذلك إبليس يتكلّم على لسان الفلاسفة ؛ وكما أنّ إبليس لم يقل بالمتوسّط في الأمر على صورة البشر ، فقال : لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ كذلك الصابئة لم يقولوا بالمتوسّط في الأمر على صورة البشر ، فقالوا : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا ؛ وكما أنّ إبليس لم يقل بالوحدة والأحدية الخالصة ؛ إذ شابه الواحد بوحدته وناريّته ، أي النار واحدة والطين اثنان ،