محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
261
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فلمّا بلغ الوقت الذي أراد اللّه أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ؛ * فلمّا نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس ؛ فقالت له الملائكة : قل الحمد للّه ؛ فقال : الحمد للّه ؛ فقال اللّه - جلّ وعزّ - : رحمك ربّك . فلمّا دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنّة ؛ فلمّا دخل في جوفه اشتهى الطعام ووثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنّة ؛ فذلك قوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ . وقال مقاتل : فخلق اللّه تعالى آدم من طين أحمر وأسود وأبيض من السبخة والعذبة ، فمن ثمّ نسله أبيض وأحمر وأسود ومؤمن وكافر ؛ فحسد إبليس تلك الصورة ؛ فقال للملائكة الذين هم معه : أرأيتم إن فضّل هذا عليكم ماذا تصنعون ؟ قالوا : نسمع ونطيع لربّنا . وأسرّ إبليس في نفسه لئن فضّل آدم عليه لا يطيعه وليستنفر به ؛ فترك آدم طينا أربعين سنة مصوّرا وجعل إبليس يدخل في دبره ويخرج من فيه ويقول : أنا نار وهذا طين أجوف والنار تغلب الطين ؛ فلأغلبنّه ؛ فذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ؛ وقال اللّه للروح : ادخلي بهذا الجسد قالت : أي ربّ هذا الجسد المظلم ؟ ! قال اللّه : ادخليه كرها ؛ فدخلته كرها وهي لا تخرج إلّا كرها . ثمّ نفخ فيه من قبل رأسه ؛ فتردّدت فيه حتّى بلغت نصف جسده ؛ فتعجّل للقعود ؛ فذلك قوله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ . فلمّا بلغ الرجلين أرادت أن تخرج ؛ فلم تجد منفذا ؛ فرجعت إلى الرأس ؛ فخرجت من المنخرين ؛ فعطس وعند ذلك قال : الحمد للّه ؛ وكان ذلك أوّل كلامه ؛ فردّ عليه ربّه : يرحمك اللّه ؛ لهذا بخلقتك ، تسبّح بحمدي وتقدّس لي « فسبقت رحمته غضبه » يا آدم ( 113 آ ) . وقال الكلبي : فنفخ فيه الروح ؛ فجلس ؛ فعطس وذكر نحو قول مقاتل ؛ وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال : بعث ربّ العزّة إبليس ؛ فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها ؛ فخلق منه آدم ؛ وكلّ شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين ؛ وكلّ شيء خلقه من ملحها فهو صائر إلى الشقاوة وإن كان ابن نبيّين . قال : ومن ثمّ قال إبليس أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أي هذه الطينة أنا جئت بها . قال : ومن ثمّ سمّي آدم ؛ لأنّه خلق من أديم الأرض ؛ وقال الحسن وابن المسيّب : لمّا خلق اللّه آدم فضلت منه فضلة ؛ فخلق منها الجرادة ؛ وروى أبو هريرة عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « كان طول آدم ستّين ذراعا في عرض سبعة أذرع 498 » .