محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

240

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال الصادقون المخبرون عن الفطرة : إنّ التنزيل أبدا يخبر عن الفطرة التي لا يجد الإنسان من نفسه إنكارها ، وإنّ الأنبياء - عليهم السلام - أبدا يردّون الناس إلى الفطرة ويستدلّون عليهم بالفطرة ويفحمونهم بالفطرة . فمن كانت فطرته سليمة على احتيال الشيطان سلم في الحال ولم ينازعه في شيء من المقال ، وذلك دليل صدقهم إذ أخبروا عن شيء هو عليه كما هو ، ولهذا يخاطبهم بألفاظ الإفحام والإلزام والتعجيب والتفهيم ، كما قال : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقال : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ في مواضع كثيرة ، وقال : أَ فِي ( 103 آ ) اللَّهِ شَكٌّ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً في مواضع كثيرة ، وأمثال ذلك لوضوح الأمر في نفسه ؛ ولهذا قيل : التوحيد فطرة ، والنبوّة فطرة ، والإمامة فطرة ، والمبدأ فطرة ، والمعاد فطرة ، ومن أنكرها فقد أنكر الفطرة ، فترفع عنه الفطرة . وسرّ آخر : أنّ المفسّرين قد أكثروا القول في الموتين والحياتين ، وقصروا القول فيهما على موت الأبدان وحياتها في الأزمان ؛ والموتة الأولى لو حملت على التراب أو على السلالة في أصلاب الآباء أو العدم المطلق لم يكن ذلك بإماتة ، ولذلك قال اللّه تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ وقوله : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ يشعر بإماتتين فليس يستمرّ المعنى في الآيتين على توافق اللفظين ، بل الواجب أن يقال هاهنا بدنا ونفسا ؛ والبدن له موت وحياة ، والنفس لها موت وحياة ، فأمّا موت الأبدان وحياتها فمعلوم بالفطرة وذلك بمقارنة النفوس ومفارقتها ، وأمّا موت النفوس وحياتها فمعلوم بالفكرة ، وهي أن يموت عن العقائد الفاسدة بإماتة اللّه ويحيا بالعقائد الصحيحة بإحياء اللّه ، وإذا بلغت هذه الدرجة صلحت للرجوع إلى اللّه والمقام في جوار اللّه . قال المسيح - عليه السلام - : « من لم يمت مرّتين ولم يحي مرّتين لم يبلغ ملكوت السماء » ولذلك قال أهل النار : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ وهذا [ قول ] قوم في البرازخ ، واللّه أعلم .