محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
217
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : أنّ المتكلّمين ذكروا أنّ صدق النبيّ لا يثبت إلّا بالمعجزة ، وأنّ المعجزة حقيقتها وحدّها أنّها فعل من اللّه ، خارق للعادة ، خارج عن قدرة البشر ، مقرون بالتحدّي ، سليم عن المعارضة ؛ فإن لم تجتمع هذه الأركان الأربعة لم يثبت كونها معجزة ؛ وأنت تعلم أنّ الخارق للعادة يتوقّف معرفة كونه خارقا للعادة إذا تحقّق استقراء العادات كلّها ، وأنّ معرفة كونه خارجا عن قدرة البشر يتوقّف على استقراء قدرة البشر كلّهم ، وأنّ اقترانه بالتحدّي يوجب على اللّه تعالى إبداعه في وقت التحدّي ، وأنّ السلامة عن المعارضة تتوقّف على العرض على جميع أصناف البشر . فعلى هذا الحدّ الذي ذكره المتكلّم لن يتحقّق قطّ صدق نبيّ ، ولا يلزم بقوله ( 92 ب ) حجّة على مدعوّ ؛ وأين قولهم وفكرهم وعقلهم من تحقيق معجزات الأنبياء - عليهم السلام - ؟ ! وأين هم من رؤية المعجزات في جميع حركاتهم القولية والفعلية ؟ ! فإنّ حركات الإنسان معجزات الحيوان ، وكذلك معجزات الأنبياء فإنّ حركاتهم معجزات الإنسان . وسرّ آخر : أنّ المتكلّمين اختلفوا في أنّ القرآن معجز من أيّ وجه . فقال بعضهم : من وجه النظم ؛ وقال بعض : من جهة البلاغة والجزالة والفصاحة ؛ وقال بعض : صرف الدواعي ؛ وقال بعض من جهة الإخبار عن الغيوب ؛ وكلّ واحد ينفي قول الآخر حتّى يثبت اختياره ؛ وأنت تعلم أنّ وجه الإعجاز يجب أن يكون مجمعا عليه حتّى تتحقّق الدعوى بتلك الجهة ؛ فيتحقّق العجز عن تلك الجهة ؛ وإذا كان جائزا عند كلّ واحد منهم أن يكون الوجه الذي يدّعيه خصمه مقدور البشر فلم يتحقّق الاتّفاق على وجه الإعجاز ، بل على أصل الإعجاز . فيجب أن يقولوا : نعلم بالحجّة أنّ القرآن معجز بالجملة ولم يتحقّق لنا وجه إعجازه ، بل نقول : إنّ الإعجاز فيه من جميع وجوهه نظما وبلاغة وفصاحة وجزالة لا من وجه دون وجه ؛ وكما أنّ النطق للإنسان معجز الحيوان من جميع وجوه النطق بترتيب الحروف والأصوات وتركيب الكلمات واشتمالها على الإرشاد والاسترشاد والأداء والقبول والموعظة والجدال والخبر والاستخبار والوعد والوعيد وغير ذلك من أقسام الكلام ، كذلك القرآن معجز الإنسان بترتيب الآيات ونظم الكلمات وفصاحة القول وجزالة اللفظ وبلاغة المعنى والهداية إلى صواب القول وصلاح العمل وسداد الفكرة والتعبير عن الفطرة ؛ ومن كان