محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

215

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

لهم أيّ كبيرة هي كفر وأيّ كبيرة ليست بكفر ، و [ أيّ كبيرة ] تخلد في النار وأيّ كبيرة لا تخلد . ونرجع إلى أسرار الآية في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا . الأسرار قال الصادقون عن اللّه - عزّ وجلّ - : إنّ اللّه تعالى جعل الأنبياء والأوصياء - عليهم السلام - حجّة على عباده والوسائل إليه وأبواب رحمته . قال - عزّ من قائل - : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ولم يبعث نبيّا إلّا ومعه حجّة ؛ فالنّبيّ حجّة اللّه ولسانه حجّة اللّه ؛ وإنّما حجّتهم الكبرى التوحيد ونفي الأنداد ، وهي أوّل كلمة يتكلّمون بها : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ؛ وكانت حجّة نبيّنا المصطفى - صلوات اللّه عليه وآله - كذلك إلّا أنّها في كلمة سمّاها جوامع الكلم يعني لا إله إلّا اللّه ، وقال : « أوتيت جوامع الكلم » 473 ؛ وإنّما تقرير التوحيد ونفي الأنداد في الكتاب المجيد على شرح وبيان أوفر وأوفى كما قرّر في هذه الآيات السابقة من إثبات كونه تعالى خالقا رازقا متوحّدا بالخلق والرزق ، وذلك كاف في إعجاز النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وبيّنته ؛ إذ لا منازع له في تقرير التوحيد ونفي الأنداد ، وذلك بعينه حجّة اللّه على خلقه ودليل صدق قوله في دعوى نبوّته ؛ إذ لو توقّف صدق نبوّته على أن يأتي بمعجزة فعليّة أو قوليّة مثل سورة من القرآن لما لزمت حجّة اللّه على خلقه ؛ ومن المعلوم أنّ التحدّي بالنبوّة قد سبق آيات التحدّي ؛ فيجب أن تكون الحجّة لازمة قبل ذلك ؛ وإنّما تتقرّر حجّته مع نطقه الأوّل ، ولن يتقرّر ذلك إلّا بكلمة الشهادة ؛ فهي السابقة على كلّ كلمة ، وهي المقارنة لدعواه ، وهي المعجزة السليمة عن المعارضة . فليس في العالم أحد يدّعي تلك الدعوى بتقرير التوحيد ونفي الأنداد ، وليس في العالم أحد يدّعي أنّه مبعوث ليزجر الناس عن الاستبداد بالعقل والنظر ويأمر الناس باتبّاع الذي أنزل عليه من التوحيد دون اتبّاع الأولياء من دونه ، وليس في الناس أحد يدّعي أنّ معرفة اللّه تعالى واجبة كما أمر لا كما عقله كلّ عاقل ، وأنّه يحتاج إلى متوسّط لأمر اللّه تعالى وهو النبيّ ، وليس في العالم أحد ينازعه في الدعوى التي بيّنّاها ؛ إذ المنازع من ينكر دعوى المدّعي ويدّعي لنفسه ذلك . لعمري قد يوجد له منكر ومعاند وهو محجوج بنفس الإنكار ؛ ولا تظنّنّ أنّ مسيلمة الكذّاب