محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
206
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الذين من قبلهم ، إذ شاركوهم فيها ، عرّف بعد ذلك ربوبيته بفطرة السماوات والأرض ؛ فيكون ذلك تعريفا بآيات الآفاق بعد التعريف بآيات الأنفس ؛ وعقّب ذلك ببيان أسباب الرزق ليعرف أنّه الرزّاق ذو القوّة المتين ، كما عرّف أنّه الخلّاق المبين ؛ ويتحقّق التوحيد الخالص ونفي الأنداد من الشركاء والأضداد . اللغة والمعنى [ و ] التفسير قال أبو عبيدة : فراشا ، أي مهادا ذلّلها لكم ؛ وقال الزجّاج : وطاء لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها ، بل سوّاها ومهّدها تمهيدا . قال مقاتل : بساطا بسطها لكم وسهّل لكم السكون عليها ؛ وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : فِراشاً يعني مناما للخلق كلّهم ، وَالسَّماءَ بِناءً يعني سقفا ، وكلّ سماء مطبقة على الأخرى مثل القبّة . قال السدّي : مهادا وقرارا يمشى عليها . قال قتادة : جعل السماء سقفا لك ، وجعل الأرض مهادا لك ، وجعل الشمس ضياء لك ، وجعل القمر نورا لك ، نعما من اللّه تعالى ؛ والجامع للأقوال : إنّ الإنسان كما يفترش الفراش ليسكن عليه وينام ويتوطأه في المقام ، كذلك الأرض بالنسبة إلى الخلائق كلّهم ؛ فهي مهادهم وفراشهم ؛ لأنّه إذ خلقه فلا بدّ له من مكان يقلّه وسماء تظلّه ؛ وقال : وَالسَّماءَ بِناءً يعني سقفا مرفوعا . وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر ( 87 ب ) أهبطه إلى الأرض . فقد قيل : تقدير الكلام « وأنزل من نحو السماء » وقيل : السماء بمعنى السحاب ؛ وقال الحسن : إنّما السحاب علم المطر ، ينزل الماء عليه من السماء ؛ وقال خالد بن معدان : إنّ المطر ما يخرج من تحت العرش ينزل من سماء إلى سماء حتّى يجتمع في سماء الدنيا ، ثمّ يجيء السحاب فيشربه ، ثمّ يسوقه اللّه حيث شاء . وقوله تعالى : فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ « 1 » أي بالماء و « من » جاءت زائدة ؛ والثمرات جمع الثمرة وهي حمل الشجرة ، ثمّ يستعمل في كلّ ما ينتفع به من المال والعلم والعقل . يقال : أثمر اللّه مالك ، وأثمر عقلك ، أي زادك رشدا به ؛ وقيل : كلّ ما ينبت من الأرض فهو ثمرة .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .