محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

198

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الوعيد في الآجل ، والدعاء إلى الجهاد في العاجل ؛ وأصحاب المطر إذا اشتدّ عليهم وقع الصاعقة سدّوا آذانهم خوف الهلاك ، كذلك المنافقون واليهود والكفرة يسدّون آذانهم لئلّا يسمعوا حجج القرآن ، فتميل إليها قلوبهم ، فيؤدّي ذلك الإيمان بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وذلك عندهم كفر ، والكفر موت . أو لئلّا يسمعوا ما ينزل من القرآن ممّا فيه افتضاحهم . قال ابن عبّاس في رواية عليّ بن أبي طلحة في قوله يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ : يكاد محكم القرآن يدلّ على عورات المنافقين ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أي كلّما أصاب المنافقون من الإسلام عزّا اطمأنّوا ، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر ؛ وذلك قوله : وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وهو مثل قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ . وقال ابن عبّاس أيضا : هم اليهود لمّا نصر رسول اللّه ببدر قالوا : هذا واللّه النبيّ الذي بشّرنا به موسى ، لا تردّ له راية ؛ فلمّا نكب بأحد ارتدّوا وشكّوا ؛ وقال أيضا : إذا قرئ عليهم شيء من القرآن صدّقوا وإذا قرئ عليهم شيء ممّا يكرهون وقفوا ؛ وقال أيضا : هو المنافق إذا كثرت ماشيته وماله وأصابته عافية مال إلى الإسلام وإلى أهله ، وإذا ذهبت أموالهم وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء قاموا متحيّرين . هذه رواية معمّر عنه ؛ وروي عنه أيضا قال : هذا مثل ضربه اللّه للمنافق لجبنه لا يسمع صوتا إلّا ظنّ أنّه قد أتي ، ولا يسمع صياحا إلّا ظنّ أنّه هلاك . وقيل : كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ يعني المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا وصارت لهم نورا ، وإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة . وقيل : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ خوفا من الوعيد ومن أن ينزل فيهم شيء يكرهونه ، واللّه قد أحاطت قدرته بهم . يكاد ضوء الحقّ يغلب عليهم ؛ فيتكلّمون بالحقّ كلّما أصابوا من الإسلام وأهله عزا وخيرا اطمأنّوا ، وإذا كان بخلافه وقفوا . وروي عن السدّي أنّ رجلين نافقا وهربا عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى المشركين فأصابهما المطر الذي ذكر اللّه في هذه الآية في الطريق ؛ فأصبحا فأتيا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وحسن إسلامهما ( 84 آ ) فضرب اللّه أمرهما مثلا لمنافقي المدينة . ثمّ أخبر سبحانه أنّهم غير معاجزين له ، فقال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ