محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
193
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
خلقية تبصر في العالم وتعقّل ؛ والنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - إنّما بعث ليسمع الآيات الأمرية في القرآن ، وليري الآيات الخلقية في العالم . فمن ألقى إليه سمعه وبصره ليسمع ويبصر خلق اللّه تعالى له سمعا وبصرا ( 81 ب ) آخر بواسطة الرسول وحسن القبول وقال : إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ، * ومن أعرض عنه فلم يسمع منه الآيات الأمرية ولم يبصر ببصيرة الآيات الخلقية سلب اللّه تعالى عنه سمعه وبصره فقال : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وقال : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها الآية . وسرّ آخر : أنّ من لم يقل بالسمع فليس له أن يتكلّم فكان البكم به أولى ، ومن لم يقل بالعقل فليس له أن يبصر وكان العمى به أولى ، ولكلّ آلة من هذه الآلات مبدأ وكمال . فمبدأ السمع أن يسمع الأصوات والحروف ، وكماله أن يفهمها ويقبل الحقّ منها ويردّ الباطل ؛ ومبدأ اللسان أن يتكلّم بالحروف والكلمات ، وكماله أن يقول الصدق ويترك الكذب ؛ ومبدأ البصر أن يرى الألوان والأشكال ، وكماله أن يعتبرها فيختار الهدى ويجتنب الضلال . فإذا كانت المبادئ والكمالات مجتمعة لهذه الآلات كانت هي موجودة في العالمين ؛ وإن كانت الكمالات متخلّفة عن المبادئ صارت المبادئ معدومة أو كالمعدومة . فعبّر التنزيل عن قوم هذه أحوالهم بأنّهم : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ لتعرف أنّهم في الحال كذلك وفي المآل يحشرون على مثال ذلك . قوله - جلّ وعزّ - : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) النظم لمّا ضرب اللّه تعالى مثلا للمنافقين في أحوالهم أكّد ذلك المثل بمثل آخر أوضح من الأوّل وأدلّ على أحوالهم في الحال والمآل ، وأبين لأحكام الدين والقرآن في حقّهم ، وتقديره : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ومثّل أحوالهم وأحكام الدين : كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ؛ والفرق بين المثلين أنّ المثل الأوّل تشبيه الأشخاص بالأشخاص ، والثاني تشبيه