محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

169

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

تلك الحدود لتعطّلت الحركات والمكاسب ، وبطلت المعاونات والممانعات في المطالب ؛ ولا بدّ لتلك الحدود من واضع يضعها بإذن اللّه ، وشارع يشرعها بأمر اللّه ؛ ولا بدّ لذلك الواضع الشارع من نائب ينوب عنه في كلّ زمان وخليفة يخلفه في كلّ أوان ؛ والنائب يجب أن يكون مثبتا لحقّ المنوب عنه لا مبطلا حقّه ؛ ففي التمانع والتعاون صلاح العالم ، وفي التخاذل والتجادل فساد العالم ؛ وشرّ الناس من يأتي هؤلاء بوجه « 1 » وهؤلاء بوجه ؛ ولمّا كان المنافقون متخاذلين بالفعل ، متجادلين بالقول ، كانوا مفسدين في الأرض ؛ وكان خداعهم المؤمنين خدعا لأنفسهم وما يشعرون ؛ وكان إصلاحهم بالنفاق إفسادا ولكن لا يشعرون ؛ ومن كان في قلبه مرض الشكّ والعناد فكلّ إصلاحه لنفسه إفساد ، وكلّ إرشاده لغيره تضليل ، وكلّ استكثاره من الباطل تقليل . وسرّ آخر : الإفساد في الأرض على وجوه ، ومنشأها اتبّاع الهوى ؛ والإصلاح في الأرض على وجوه ، ومنشأها اتبّاع الأمر ؛ وشرّ وجوه الفساد الكفر والنفاق ، وخير وجوه الصلاح الإيمان والإخلاص . فقد أخبر اللّه تعالى على لسان نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - عن سرائرهم بالنفاق والخداع ، وما هم عليه من مرض الشكّ والنزاع حتّى ظهر صدقه عندهم حقّا . ثمّ أمرهم بالصلاح ونهاهم عن الفساد ؛ فركنوا إلى الهوى ، ورغبوا عن متابعة الأمر ، فقالوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ؛ ولمّا كان إصلاحهم ذلك بهواهم ، كان إصلاحهم إفسادا في الأرض ؛ ولو خلّي الإنسان وهواه ، ونفسه وما يهواه لكان ما يفسد من حال نفسه أكثر ممّا يصلح ، ولغيره أن يهلكه بهواه ؛ إذ حكّم الهوى ؛ وكان قولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في مقابلة نصّ النهي ، كقول اللعين الأوّل : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ * في مقابلة نصّ الأمر . قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ مطلقا من كلّ وجه ، وفي كلّ مكان ، وعلى كلّ حال ، أنفسهم وغيرهم ، في الحال والمآل .

--> ( 1 ) . س : وجه .