محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

138

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

البصيرة من حكم المفروغ ، والتقليد من حكم المستأنف . والثاني : أنّ الإيمان بالغيب من باب التسليم وهو حكم المفروغ ، أعني الكمال ؛ وطلب الهداية من باب التحكيم ، وهو حكم المستأنف ، أعني المبدأ ؛ ولا بدّ من رؤية الحكمين في الطرفين حتّى يحصل اليقين بالوجهين . وسرّ آخر : أنّ الذين قالوا : إنّ الإيمان أصله الطمأنينة والسكون والأمن فقد قصّروا ؛ لأنّ الخليل إبراهيم - عليه السلام - كان طالبا للطمأنينة بعد الإيمان قال : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ؛ ومن قال : إنّه من الأمن ، أي أمن نفسه بالتصديق من التعذيب ، فما قصّر إلّا أنّ الفرق بين آمنته ( 55 آ ) وآمنت له ، وآمنت به ، يجب أن يكون معلوما ظاهرا ، وما قالوه في هذا الباب ليس بمقنع ؛ ومن قال : إنّ الإيمان لفظ شرعي كان أصله من الأمن ثمّ صرف إلى التصديق باللّه ورسوله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه ، كما فسّره رسول اللّه - صلوات اللّه عليه - لجبريل - عليه السلام - في الخبر الذي يسمّى دعوة جبريل ، وهو كالصلاة والصوم والزكاة ؛ فهو أشبه الأقاويل لكنّا إذا فسّرنا المتّقين بالقائلين لا إله إلّا اللّه ، فما بعده من الإيمان بالغيب يجب أن يكون محمّد رسول اللّه وما بعده الصلاة والزكاة ؛ ومحمّد رسول اللّه شهادة في غيب ، وغيب في شهادة ؛ فمن حيث إنّه محمّد هو شهادة ، ومن حيث إنّه رسول اللّه فهو غيب . فالمؤمنون بالغيب هم المصدّقون برسالته ، المسلّمون لنبوّته ، والقائلون بشريعته ، هم الذين يقيمون الصلاة وينفقون الزكاة . قوله - جلّ وعزّ - : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ يقال : « 1 » قال الشيء إذا دام ، وأقامه إذا أدامه ؛ والعرب تقول في الشيء الراتب : قائم ، وفي فاعله : مقيم ؛ ويقال لمن يتولّى أمرا : هو القيّم والقائم ، ومعناه القيام به والاهتمام له ؛ وإذا جاز تسمية تولّي ذلك الأمر إقامة له وإن لم يتضمّن ذلك قياما حقيقيا ، صحّ أن يقال : قد قامت الصلاة ، والمراد قيام المصلّي بها ؛ ويقال : قامت السوق وأقمته ، إذا لم تعطّله ؛ وقيل : الإقامة الإتمام ، ولهذا فسّروا : أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي أقيموا ؛ وقيل : الإقامة الالتزام ، ولهذا فسّر قوله : أَقِيمُوا الدِّينَ أي التزموه وائتوا به على ما فرض اللّه عليكم .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .