محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
135
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقال أبو عليّ الفارسي : يجوز من حيث قياس اللغة أن يكون آمن أي صار ذا أمن ، مثل أجدب وأعاه إذا صار ذا عاهة في ماله ، كذلك أمن أي صار ذا أمن في نفسه وماله بإظهار كلمتي الشهادة . وقال المفضّل : آمن به إذا صدّق به ، وآمن له أي صدقه ، ويدلّ عليه من هذه الآية أنّه علّق الإيمان بالغيب ليعلم به الصادق ( 54 آ ) المخبر فيما أخبر عنه من الغيب ، ثمّ أورده بالذكر من بين سائر الطاعات اللازمة للأبدان والأموال ، فقال بعده : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وإنّ اللّه تعالى حينما ذكر الإيمان أضافه إلى القلب قال : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وقال : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وقال : وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وقال : وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « الإيمان سرّ » وأشار إلى صدره ، « والإسلام علانية » 432 ، ولذلك اختلف جوابه لجبريل - عليه السلام - في الإسلام والإيمان ؛ فأجاب في الإسلام بشرائع الإيمان وفي الإيمان بالتصديق ؛ وقد سمّي إقرار اللسان وأعمال البدن إيمانا . قال اللّه تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس ؛ وقد يقال : رأيت الفرح في وجه فلان ، وسمعت علم فلان ، ورأيت علمه في تصنيفه ، وإنّما الفرح والعلم في القلب ؛ ويستدلّ عليهما بأماراته ، والعرب تسمّي الشيء باسم الشيء « 1 » إذا كان دليلا عليه . قال اللّه تعالى : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . * وأمّا الغيب فهو مصدر وضع موضع الاسم ، فقيل للغائب غيب كما قيل للصائم صوم وللزائر زور وللعادل عدل ؛ وهو ما كان مغيبا عن العيون ، وكلّ ما غاب عن الحسّ ، وكان إدراكه من جهة الخبر أو الاستدلال ؛ وقيل : هو مقصور على ما يخبر عنه . قال اللّه تعالى : فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . قال المفسّرون مثل سعيد « 2 » بن جبير وعطاء : هو الإيمان باللّه ؛ وقال ابن عبّاس : يصدّقون الرسل فيما أخبروا به من البعث والحساب والجنّة والنار ، وبما أخبروا من سلطان اللّه وعظمته وملكوته ، وهو قول قتادة ؛ وقال في رواية الكلبي : هم أصحاب محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - آمنوا بما أنزل على محمّد من القرآن وبما أخبرهم به من أمر الآخرة ؛ وقال الحسن : هو
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .