محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
133
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
عبّاس أيضا : هم الذين يحذرون من اللّه عقوبته ، ويرجون رحمته ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « جماع التقوى في قول اللّه - عزّ وجلّ - : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ » 427 وقال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّما سمّوا متّقين بتركهم ما لا بأس به حذرا للوقوع فيما فيه بأس 428 » وقال بعضهم : التقوى أن لا يراك اللّه حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك . [ الأسرار ] وقد قال أمير المؤمنين عليّ - رضي اللّه عنه - : « إنّه لا يهلك على التقوى سنخ أصل ولا يظمأ عليه زرع قوم « 1 » » 429 وقال اللّه تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني لا إله إلا اللّه . فالمتّقون هم القائلون لا إله إلا اللّه ؛ وأوّل ما يجب على المتّقي أن يخاف اللّه ؛ فلا يقول في جلاله ما لا يليق بجلاله ، وأن لا يجادل في اللّه برأيه وجداله ، وأن لا يحكّم العقل والهوى في أسمائه وصفاته ، وأن لا يقاسمه على مخلوقاته ومصنوعاته حتّى يصير الكتاب هاديا له من الضلالة وبصيرة له من الجهالة وإلّا فما يزيدهم إلّا عمى وكفرا . وسرّ آخر : أنّ التقوى تنزل من النفوس منزلة الاحتماء عن موجبات العلل في الأجساد والتحرّز عنها لئلّا يصيبه مرض ؛ وكما للأجساد علل وأمراض كذلك للنفوس علل وأمراض ؛ وأشدّ الأمراض نكاية هو الشرك باللّه . فلهذا فسّروا أكثر ألفاظ التقوى بالتحرّز عن الشرك ؛ فإنّه من يشرك باللّه فقد حبط عمله وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ، وبعده التحرّز عن النفاق والشقاق ؛ فإنّ ذلك أيضا من المحبطات ، ثمّ بعدهما التحرّز عن الكبائر الموبقات ، وبعده عن الصغائر ؛ فللتقوى مراتب على قدر مراتب العلل والأمراض النفسانية ، وكأنّه قبل الإيمان والإحسان بدرجة ، ولهذا قدّمه في قوله - عزّ ذكره - : إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وكأنّ التقوى الأوّل عن الشرك ، والثاني عن النفاق ، والثالث عن الكبائر ؛ ومن الناس من ينازع في التوحيد ، ومنهم من ينازع في النبوّة ، ومنهم من ينازع في الوصاية والإمامة ؛ وهذه مراتب ثلاث يجب التحرّز عنها والتقوى منها ؛ وعلى هذه الطريقة نزلت التقوى منزلة الطهارة ونزل
--> ( 1 ) . في مستدرك الوسائل : « لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل » .