محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

127

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

للإشارة إلى الأشياء ، فيحتاج أن يترجم عنها بما يدلّ على المشار إليه من أيّ جنس هو ، كما يقول : هذا الرجل ، وذاك الفرس ، وهؤلاء القوم ؛ والاسم الذي بعدها يتبعها في رفعها ونصبها وخفضها ؛ لأنّه هي لا غيرها . و ذلِكَ هاهنا في موضع الرفع على الابتداء وخبره لا ريب فيه ، وهذا إذا لم يعط ألم موضع الإعراب ؛ وإذا أعطيناه فهو المبتدأ وخبره ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ جملة في موضع الرفع ؛ وقد يقال : إنّ فلانا هو ذلك الرجل القائم ، والمعنى هاهنا إنّ « ألم » هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه . وأمّا التفسير فقال كثير من أهل التفسير والمعاني مثل أبي عبيدة والأخفش والفرّاء : إنّ ذلِكَ بمعنى « هذا » ؛ ومثاله في الكلام أنّك تقول : قدم فلان ، فيقول السامع : قد بلغنا ذلك ، ويقول : بلغنا هذا الخبر ، فصلحت فيه الإشارتان : أمّا ذلك فلانقضاء مدّته والمنقضي كالغائب ، وأمّا هذا لأنّه قرب من جوابه والقريب كالحاضر . قال اللّه تعالى : فَحَشَرَ فَنادى إلى قوله ( 50 ب ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً * وقال : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً ، ولو قال بدل ذلك هذا أو بدل هذا ذلك ، كان جائزا وصوابا ؛ ومن قال : إنّ الكتاب هو القرآن ، فالظاهر أن يكون ذلك بمعنى هذا ؛ وهذا قول ابن عبّاس والحسن وقتادة ومجاهد والضحّاك ومقاتل . قال اللّه تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ أي وهذه ؛ وقال خفاف السلمي : فقلت له والرمح يأطر متنه « 1 » * تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا 425 يريد أنا هذا ؛ وهو أيضا قول الكسائي ؛ وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح عنه : أقسم بالقرآن أنّ هذا الكتاب الذي أنزل على محمّد - صلّى اللّه عليه هو وعلى آله - هو الكتاب الذي عند اللّه لا ريب فيه ؛ وقال جماعة من المفسّرين : إنّ ذلك إشارة إلى كتاب غائب ، فروى أبو الضحى عن ابن عبّاس قال : معناه ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوجهه إليك ؛ وقال عطاء بن السائب : ذلك الكتاب الذي وعدتكم يوم الميثاق ؛ وقال يمان بن رئاب : ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل ؛ وهذا مرويّ عن عكرمة والزجّاج وابن الأنباري ؛ وقال الفرّاء : إنّ اللّه تعالى كان قد وعد نبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن ينزل عليه كتابا ؛ فلمّا أنزل

--> ( 1 ) . في الأصل : « والرمح يأطل بيننا » ، والصواب ما أثبتناه .