محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
124
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وأمّا المثاني منه يوازن كلّ ما هو مثنى في الوجود ، ويستنبط معناها من قرائنها ، وكذلك الثلاثيات والرباعيات والخماسيات ؛ وليس لأمثالنا قوّة الوقوف عليها ومعرفة ربطها بأوائلها من الموجودات ، وأواخرها من المركّبات والأشخاص ؛ وقد عرفت ممّا سبق أنّ وراء الأستار والحجب أسرارا أبكارا ، ومن كان لها أهلا أرسل السماء عليه مدرارا ؛ وقد قيل : إنّ في العالم مستقيما ودائرا ، والألف مستقيم والميم دائر ، وبينهما لام فيه معنى المستقيم والدائر ، والألف دائر مفتوح الطرفين على التمام ، والميم مستقيم مضموم الطرفين واللام بينهما . وسرّ آخر : أنّ الحروف تعدّ على طريق آخر تسعة وعشرين بإدخال الألف فيها ، والسور التي على مفاتحها حروف التهجّي في القرآن تسعة وعشرون ، ولا يخلو واحدة منها إلّا مقرونة بالكتاب أو القرآن أو آيات الكتاب أو اسم من أسماء اللّه - عزّ وجلّ - ( 49 آ ) أو رجل من الرجال وشخص من أشخاص الكمال ؛ والتوسّم بحدس من ذلك أنّ الإشارة بكلّ واحدة منها إلى ما تدلّ عليه قرينتها ؛ فإنّ قرائنها مظاهرها ، وهي مصادرها . فمن قال : « إنّها إشارة إلى الحروف التي هي مباني الكلام والكتاب والآيات والأسماء » فقد أصاب من وجه ، ولو وفق لاقتباس التأويل من أهل التأويل لقال : إنّ الحروف مباني الموجودات كلّها علوياتها وسفلياتها ومفرداتها ومركّباتها ، وإنّ الألف منها إشارة إلى الأمر الأوّل الذي هو مصدر الموجودات ، وإلى الوحدة التي هي مبدأ العدد ، وإلى الخطّ الذي هو طول بلا عرض ، وإلى أوّل حرف من حروف التهجّي ، وإلى أوّل حرف من أوّل اسم من الأسماء الحسنى : اللّه ، وأوّل شخص من أشخاص الكمال ، وأوّل حكم من أحكام المفروغ ، والدور الأوّل من الزمان ، والفوق من المكان ؛ وأنّ اللام منها إشارة إلى أوّل موجود حصل بالأمر إمّا قلم أو عقل أو جوهر أو روح ؛ وفيه إشارة إلى التعريف والتمليك وإلى الثلاثين في مرتبة العدد ، وإلى الطول والعرض في مرتبة التجسيم ، وإلى الثالث والعشرين من حروف التهجّي ، وإلى أوّل حرف من اسم اللطيف ، وثاني شخص من أشخاص الكمال ، وثاني حكم من أحكام المفروغ ، والدور الوسط من أدوار الزمان ، والجزء الوسط من أخبار المكان ؛ وأنّ الميم منها إشارة إلى الموجود الثاني الذي حصل بالأمر ، إمّا لوح أو نفس أو عنصر أو جسم ؛