محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
84
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
إبراهيم - عليه السلام - : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ « 1 » وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ . وقد حكينا عن جماعة من المفسّرين أنّ الرحيم يختصّ بالمؤمنين ؛ وهو قول ( 33 آ ) وكيع بن الجراح ، ومرويّ عن ثعلب وروي عن عكرمة أنّه قال : الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة ؛ وإنّما أخذ هذا من قوله - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّ للّه « 2 » تعالى مائة رحمة ، وإنّه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسّمها بين خلقه ، فيها يتعاطفون ويتراحمون ، وأخّر تسعا وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة . » 374 ومن العلماء من قال : إنّما جمع بين الكلمتين : « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » من حيث إنّ الرحمن اسم يشترك فيه ألسنة أهل الكتابين ، وكانوا يقولون رحمانا ؛ وكان مشركو مكّة ينكرون هذا « 3 » الاسم كما أخبر عنهم ، فقال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ وقال : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ وكانوا يعرفون الرحيم ؛ فجمع بينهما ؛ وقال قوم : الرحمن عبراني ، ولهذا أنكرته العرب ؛ فجمع بين الاسمين لذلك ؛ وهذا لا يصحّ ؛ فإنّ القرآن إنّما أنزل بلغة العرب ، وليس فيه غير لغتهم ؛ وقد وجد الرحمن في كلام العرب كاللّهفان والغضبان والندمان ؛ وقال الشنفرّى « 4 » : ألا ضربت تلك الفتاة هجينها * ألا قطع الرحمن ربّي يمينها 375 وكانت العرب تقول : لا رحمن إلّا رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذّاب . فقال تعالى : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ، ثمّ الرحمة على معنيين : أحدهما إرادة النعمة ؛ والثاني هي النعمة نفسها . فإذا قيل : لم يزل رحيما ورحمانا ، فمعناه مزيد الإنعام ؛ وإذا قيل : رحم اللّه فلانا فمعناه أنعم اللّه عليه ؛ وقد قال اللّه تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ أي نعمة ربّك ؛ والرحمن هو الذي يتولّى عباده بالكفاية والرزق والحفظ . فبرحمته قوامهم وبها بقاؤهم ؛ والرحيم هو الذي يتولّى عباده المخلصين بالرعاية واللطف والكرامة ؛ فبرحمته قوامهم وبها بقاؤهم ؛ وقد يقال : يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما .
--> ( 1 ) . س : + تعالى . ( 2 ) . س : اللّه . ( 3 ) . س : لهذا . ( 4 ) . س : سنفراى .